سيد قطب

3576

في ظلال القرآن

مر به عباد بن بشر فليقتله . فقال رسول اللّه - صلى اللّه عليه وسلم - : « فكيف يا عمر إذا تحدث الناس أن محمدا يقتل أصحابه ؟ لا ولكن أذن بالرحيل » . وذلك في ساعة لم يكن رسول اللّه - صلى اللّه عليه وسلم - يرتحل فيها . فارتحل الناس ، وقد مشى عبد اللّه بن أبي بن سلول إلى رسول اللّه - صلى اللّه عليه وسلم - حين بلغه أن زيد بن أرقم قد بلغه ما سمع منه - فحلف باللّه ما قلت ما قال ولا تكلمت به . وكان في قومه شريفا عظيما . فقال من حضر رسول اللّه - صلى اللّه عليه وسلم - من الأنصار من أصحابه : يا رسول اللّه عسى أن يكون الغلام قد أوهم في حديثه ولم يحفظ ما قال الرجل . حدبا على ابن أبي بن سلول ودفعا عنه . قال ابن إسحاق فلما استقل رسول اللّه - صلى اللّه عليه وسلم - وسار لقيه أسيد بن حضير ، فحياه بتحية النبوة وسلم عليه ، ثم قال : يا نبي اللّه ، واللّه لقد رحت في ساعة منكرة ما كنت تروح في مثلها . فقال له رسول اللّه - صلى اللّه عليه وسلم - : « أو ما بلغك ما قال صاحبكم ؟ » قال : وأي صاحب يا رسول اللّه ؟ قال « عبد اللّه بن أبي » قال : وما قال ؟ قال : « زعم أنه إن رجع إلى المدينة أخرج الأعز منها الأذل ؟ » قال : فأنت يا رسول اللّه واللّه لتخرجنه منها إن شئت . هو واللّه الذليل وأنت العزيز . ثم قال : يا رسول اللّه ارفق به . فو اللّه لقد جاءنا اللّه بك وإن قومه لينظمون له الخرز ليتوجوه ، فإنه ليرى أنك قد استلبته ملكا ! ثم مشى رسول اللّه - صلى اللّه عليه وسلم - بالناس يومهم ذلك حتى أمسى ، وليلتهم حتى أصبح ، وصدر يومهم ذلك حتى آذتهم الشمس . ثم نزل بالناس ، فلم يلبثوا أن وجدوا مس الأرض فوقعوا نياما ، وإنما فعل ذلك رسول اللّه - صلى - اللّه عليه وسلم - ليشغل الناس عن الحديث الذي كان بالأمس من حديث عبد اللّه ابن أبي . قال ابن إسحاق : ونزلت السورة التي ذكر اللّه فيها المنافقين ، في ابن أبي ومن كان على مثل أمره . فلما نزلت أخذ رسول اللّه - صلى اللّه عليه وسلم - بأذن زيد بن أرقم ، ثم قال : « هذا الذي أو في للّه بأذنه » . . وبلغ عبد اللّه بن عبد اللّه بن أبي الذي كان من أمر أبيه . قال ابن إسحاق . فحدثني عاصم بن عمر بن قتادة أن عبد اللّه أتى رسول اللّه - صلى اللّه عليه وسلم - فقال : يا رسول اللّه ، إنه بلغني أنك تريد قتل عبد اللّه بن أبي فيما بلغك عنه . فإن كنت لا بد فاعلا فمرني به فأنا أحمل إليك رأسه ، فو اللّه لقد علمت الخزرج ما كان لها من رجل أبر بوالده مني ، وإني أخشى أن تأمر غيري فيقتله ، فلا تدعني نفسي انظر إلى قاتل عبد اللّه بن أبي يمشي في الناس ، فأقتله ، فأقتل مؤمنا بكافر ، فأدخل النار . فقال رسول اللّه - صلى اللّه عليه وسلم - : « بل نترفق به ونحسن صحبته ما بقي معنا » . وجعل بعد ذلك إذا أحدث الحدث كان قومه هم الذين يعاتبونه ويأخذونه ويعنفونه . فقال رسول اللّه - صلى اللّه عليه وسلم - لعمر بن الخطاب حين بلغه ذلك من شأنهم : « كيف ترى يا عمر ؟ أما واللّه لو قتلته يوم قلت لي : اقتله لأرعدت له آنف لو أمرتها اليوم تقتله لقتلته » . . قال : قال عمر : قد واللّه علمت لأمر رسول اللّه - صلى اللّه عليه وسلم - أعظم بركة من أمري . . وذكر عكرمة وابن زيد وغيرهما أن الناس لما قفلوا راجعين إلى المدينة وقف عبد اللّه بن عبد اللّه بن أبي على باب المدينة ، واستل سيفه ، فجعل الناس يمرون عليه ، فلما جاء أبوه عبد اللّه بن أبي قال له ابنه : وراءك ! فقال : مالك ؟ ويلك ! فقال : واللّه لا تجوز من هاهنا حتى يأذن لك رسول اللّه - صلى اللّه عليه وسلم - فإنه العزيز وأنت الذليل ! فلما جاء رسول اللّه - صلى اللّه عليه وسلم - وكان إنما يسير ساقة « 1 » ، فشكا إليه

--> ( 1 ) في مؤخرة الجيش ينظر المتخلف والضال والمحتاج إلى معونة . . .