سيد قطب

3530

في ظلال القرآن

العظيم ، وخافوا أن يؤثر هذا على موقفهم في المدينة فيضعف من مركزهم بقدر ما يقوي من مركز المسلمين . وبلغ رسول اللّه - صلى اللّه عليه وسلم - ما يتهامسون به وما يفكرون فيه من الشر ، فذكرهم العهد وحذرهم مغبة هذا الاتجاه . فردوا ردا غليظا مغيظا فيه تهديد . قالوا : يا محمد . إنك لترى أنا قومك ! لا يغرنك أنك لقيت قوما لا علم لهم بالحرب فأصبت منهم فرصة . إنا واللّه لئن حاربناك لتعلمن أنا نحن الناس ! ثم أخذوا يتحرشون بالمسلمين ؛ وذكرت الروايات من هذا أن امرأة من العرب قدمت ببضاعة لها فباعتها بسوق بني قينقاع ، وجلست إلى صائغ بها ، فجعلوا يريدونها على كشف وجهها ، فأبت ، فعمد الصائغ إلى طرف ثوبها فعقده إلى ظهرها ، فلما قامت انكشفت سوأتها ، فضحكوا بها ، فصاحت . فوثب رجل من المسلمين على الصائغ فقتله . وشدت يهود على المسلم فقتلوه فاستصرخ أهل المسلم المسلمين . فغضب المسلمون ، فوقع الشر بينهم وبين بني قينقاع . وحاصرهم رسول اللّه - صلى اللّه عليه وسلم - حتى نزلوا على حكمه . فقام رأس المنافقين عبد اللّه بن أبي ابن سلول يجادل رسول اللّه عنهم ، باسم ما كان بينهم وبين الخزرج من عهد ! ولكن الحقيقة كانت هي هذه الصلة بين المنافقين وإخوانهم الذين كفروا من أهل الكتاب ! فرضي رسول اللّه - صلى اللّه عليه وسلم - في النهاية أن يجلوا عن المدينة ، وأن يأخذوا معهم أموالهم ومتاعهم - إلا السلاح - ورحلوا إلى الشام . فهذه هي الواقعة التي يشير إليها القرآن ويقيس عليها حال بني النضير وحقيقتهم . . وحال المنافقين مع هؤلاء وهؤلاء ! ويضرب للمنافقين الذين أغروا إخوانهم الذين كفروا من أهل الكتاب بالمقاومة ، فانتهوا بهم إلى تلك النهاية البائسة . يضرب لهم مثلا بحال دائمة . حال الشيطان مع الإنسان ، الذي يستجيب لإغرائه فينتهي وإياه إلى شر مصير : « كَمَثَلِ الشَّيْطانِ إِذْ قالَ لِلْإِنْسانِ : اكْفُرْ . فَلَمَّا كَفَرَ قالَ : إِنِّي بَرِيءٌ مِنْكَ إِنِّي أَخافُ اللَّهَ رَبَّ الْعالَمِينَ . فَكانَ عاقِبَتَهُما أَنَّهُما فِي النَّارِ خالِدَيْنِ فِيها ، وَذلِكَ جَزاءُ الظَّالِمِينَ » . . وصورة الشيطان هنا ودوره مع من يستجيب له من بني الإنسان ، تتفقان مع طبيعته ومهمته . فأعجب العجب أن يستمع إليه الإنسان . وحاله هو هذا الحال ! وهي حقيقة دائمة ينتقل السياق القرآني إليها من تلك الواقعة العارضة . فيربط بين الحادث المفرد والحقيقة الكلية ، في مجال حي من الواقع ؛ ولا ينعزل بالحقائق المجردة في الذهن . فالحقائق المجردة الباردة لا تؤثر في المشاعر ، ولا تستجيش القلوب للاستجابة . وهذا فرق ما بين منهج القرآن في خطاب القلوب ، ومنهج الفلاسفة والدارسين والباحثين ! وبهذا المثل الموحي تنتهي قصة بني النضير . وقد ضمت في ثناياها وفي أعقابها هذا الحشد من الصور والحقائق والتوجيهات . واتصلت أحداثها المحلية الواقعة بالحقائق الكبرى المجردة الدائمة . وكانت رحلة في عالم الواقع وفي عالم الضمير ، تمتد إلى أبعد من حدود الحادث ذاته ، وتفترق روايتها في كتاب اللّه عن روايتها في كتب البشر بمقدار ما بين صنع اللّه وصنع البشر من فوارق لا تقاس ! ! وعند هذا الحد من رواية الحادث والتعقيب عليه وربطه بالحقائق البعيدة المدى يتجه الخطاب في السورة إلى المؤمنين ، يهتف بهم باسم الإيمان ، ويناديهم بالصفة التي تربطهم بصاحب الخطاب ، وتيسر عليهم الاستجابة