سيد قطب
3524
في ظلال القرآن
في الآيتين هم قرابة رسول اللّه - صلى اللّه عليه وسلم - أن كانت الصدقات لا تحل لهم ، فليس لهم في الزكاة نصيب ، وأن كان النبي لا يورث فليس لذوي قرابته من ماله شيء . وفيهم الفقراء « 1 » الذين لا مورد لهم . فجعل لهم من خمس الغنائم نصيبا ، كما جعل لهم من هذا الفيء وأمثاله نصيبا . فأما بقية الطوائف والمصارف فأمرها معروف . والرسول - صلى اللّه عليه وسلم - هو المتصرف فيها . هذا هو حكم الفيء تبينه الآيات . ولكنها لا تقتصر على الحكم وعلته القريبة . إنما تفتح القلوب على حقيقة أخرى كبيرة : « وَلكِنَّ اللَّهَ يُسَلِّطُ رُسُلَهُ عَلى مَنْ يَشاءُ » . . فهو قدر اللّه . وهم طرف من هذا القدر يسلطه على من يشاء . « وَاللَّهُ عَلى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ » . . بهذا يتصل شأن الرسل بقدر اللّه المباشر ؛ ويتحدد مكانهم في دولاب القدر الدوار . ويتبين أنهم - ولو أنهم بشر - متصلون بإرادة اللّه ومشيئته اتصالا خاصا ، يجعل لهم دورا معينا في تحقيق قدر اللّه في الأرض ، بإذن اللّه وتقديره . فما يتحركون بهواهم ، وما يأخذون أو يدعون لحسابهم . وما يغزون أو يقعدون ، وما يخاصمون أو يصالحون ، إلا لتحقيق جانب من قدر اللّه في الأرض منوط بهم وبتصرفاتهم وتحركاتهم في هذه الأرض . واللّه هو الفاعل من وراء ذلك كله . وهو على كل شيء قدير . . « ما أَفاءَ اللَّهُ عَلى رَسُولِهِ مِنْ أَهْلِ الْقُرى فَلِلَّهِ وَلِلرَّسُولِ وَلِذِي الْقُرْبى وَالْيَتامى وَالْمَساكِينِ وَابْنِ السَّبِيلِ . . كَيْ لا يَكُونَ دُولَةً بَيْنَ الْأَغْنِياءِ مِنْكُمْ . وَما آتاكُمُ الرَّسُولُ فَخُذُوهُ . وَما نَهاكُمْ عَنْهُ فَانْتَهُوا . وَاتَّقُوا اللَّهَ إِنَّ اللَّهَ شَدِيدُ الْعِقابِ » . . وتبين هذه الآية الحكم الذي أسلفنا تفصيلا . ثم تعلل هذه القسمة فتضع قاعدة كبرى من قواعد التنظيم الاقتصادي والاجتماعي في المجتمع الإسلامي : « كَيْ لا يَكُونَ دُولَةً بَيْنَ الْأَغْنِياءِ مِنْكُمْ » . . كما تضع قاعدة كبرى في التشريع الدستوري للمجتمع الإسلامي : « وَما آتاكُمُ الرَّسُولُ فَخُذُوهُ وَما نَهاكُمْ عَنْهُ فَانْتَهُوا » . . ولو أن هاتين القاعدتين جاءتا بمناسبة هذا الفيء وتوزيعه ، إلا أنهما تتجاوزان هذا الحادث الواقع إلى آماد كثيرة في أسس النظام الاجتماعي الإسلامي . والقاعدة الأولى ، قاعدة التنظيم الاقتصادي ، تمثل جانبا كبيرا من أسس النظرية الاقتصادية في الإسلام . فالملكية الفردية معترف بها في هذه النظرية . ولكنها محددة بهذه القاعدة . قاعدة ألا يكون المال دولة بين الأغنياء ، ممنوعا من التداول بين الفقراء . فكل وضع ينتهي إلى أن يكون المال دولة بين الأغنياء وحدهم هو وضع يخالف النظرية الاقتصادية الإسلامية كما يخالف هدفا من أهداف التنظيم الاجتماعي كله . وجميع الارتباطات والمعاملات في المجتمع الإسلامي يجب أن تنظم بحيث لا تخلق مثل هذا الوضع أو تبقي عليه إن وجد . ولقد أقام الإسلام بالفعل نظامه على أساس هذه القاعدة . ففرض الزكاة . وجعل حصيلتها في العام اثنين ونصفا في المائة من أصل رؤوس الأموال النقدية ، وعشرة أو خمسة في المائة من جميع الحاصلات . وما يعادل ذلك في الأنعام . وجعل الحصيلة في الركاز وهو كنوز الأرض مثلها في المال النقدي . وهي نسب كبيرة . ثم جعل أربعة أخماس الغنيمة للمجاهدين فقراء وأغنياء بينما جعل الفيء كله للفقراء . وجعل نظامه المختار في إيجار الأرض هو المزارعة « 2 » - أي المشاركة في المحصول الناتج بين صاحب الأرض وزارعها . وجعل للإمام
--> ( 1 ) هناك خلاف فقهي . هل الفقراء من قرابة الرسول - صلى اللّه عليه وسلم - هم المستحقون أم جميعهم والراجح جميعهم . ( 2 ) يوجد خلاف فقهي ولكن الراجح الظاهر هو الذي أثبتناه .