سيد قطب
3522
في ظلال القرآن
والغاية من خلقه ؛ ولن يمتنع عليه سبب ولا نتيجة ، ولن يعز عليه وسيلة ولا غاية . . . وهو العزيز الحكيم . . ولقد تحصن الذين كفروا من أهل الكتاب بحصونهم فأتاهم اللّه من حيث لم يحتسبوا وقذف في قلوبهم الرعب . ولقد امتنعوا بدورهم وبيوتهم فسلطهم اللّه على هذه الدور والبيوت يخربونها بأيديهم ، ويمكنون المؤمنين من إخرابها : « يُخْرِبُونَ بُيُوتَهُمْ بِأَيْدِيهِمْ وَأَيْدِي الْمُؤْمِنِينَ » . . وبهذا تتم حكاية ما وقع للذين كفروا من أهل الكتاب ، في تلك الصورة الموحية ، وهذه الحركة المصورة . . واللّه - سبحانه - يأتيهم من وراء الحصون فتسقط بفعلهم هم ؛ ثم يزيدون فيخربونها بأيديهم وأيدي المؤمنين . هنا يجيء أول تعقيب في ظل هذه الصورة ، وعلى إيقاع هذه الحركة : « فَاعْتَبِرُوا يا أُولِي الْأَبْصارِ » . . وهو هتاف يجيء في مكانه وفي أوانه . والقلوب متهيئة للعظة متفتحة للاعتبار . والآية التالية تقرر أن إرادة اللّه في النكاية بهم ما كانت لتعفيهم بأية حالة من نكال يصيبهم في الدنيا غير ما ينتظرهم في الآخرة : « وَلَوْ لا أَنْ كَتَبَ اللَّهُ عَلَيْهِمُ الْجَلاءَ لَعَذَّبَهُمْ فِي الدُّنْيا ، وَلَهُمْ فِي الْآخِرَةِ عَذابُ النَّارِ » . . فهو أمر مقرر أن ينالهم النكال من اللّه . بهذه الصورة التي وقعت أو بصورة أخرى . ولولا أن اختار اللّه جلاءهم لعذبهم عذابا آخر . غير عذاب النار الذي ينتظرهم هناك . فقد استحقوا عذاب اللّه في صورة من صوره على كل حال ! « ذلِكَ بِأَنَّهُمْ شَاقُّوا اللَّهَ وَرَسُولَهُ . وَمَنْ يُشَاقِّ اللَّهَ فَإِنَّ اللَّهَ شَدِيدُ الْعِقابِ » . . والمشاقة أن يأخذوا لهم شقا غير شق اللّه ، وجانبا غير جانبه . وقد جعل اللّه جانبه هو جانب رسوله حين وصف علة استحقاقهم للعذاب في صدر الآية . فاكتفى في عجزها بمشاقة اللّه وحده فهي تشمل مشاقة الرسول وتتضمنها . ثم ليقف المشاقون في ناحية أمام اللّه - سبحانه - وهو موقف فيه تبجح قبيح ، حين يقف المخاليق في وجه الخالق يشاقونه ! وموقف كذلك رعيب ، وهذه المخاليق الضئيلة الهزيلة تتعرض لغضب اللّه وعقابه . وهو شديد العقاب . وهكذا تستقر في القلوب حقيقة مصائر المشاقين للّه في كل أرض وفي كل وقت . من خلال مصير الذين كفروا من أهل الكتاب ، وما استحقوا به هذا العقاب . ولا يفوتنا أن نلحظ تسمية القرآن ليهود بني النضير بأنهم « الَّذِينَ كَفَرُوا مِنْ أَهْلِ الْكِتابِ » وتكرار هذه الصفة في السورة . فهي حقيقة لأنهم كفروا بدين اللّه في صورته العليا التي جاء بها محمد - صلى اللّه عليه وسلم - وقد كان اليهود ينتظرونها ويتوقعونها . وذكر هذه الصفة في الوقت نفسه يحمل بيانا بسبب التنكيل بهم ؛ كما أنه يعبئ شعور المسلمين تجاههم تعبئة روحية تطمئن لها قلوبهم فيما فعلوا معهم ، وفيما حل بهم من نكال وعذاب على أيديهم . فذكر هذه الحقيقة هنا مقصود ملحوظ ! ثم يطمئن المؤمنين على صواب ما أوقعوه بهؤلاء الذين كفروا وشاقوا اللّه ورسوله من تقطيع نخيلهم وتحريقه ،