سيد قطب
3519
في ظلال القرآن
بالزمان والمكان . كانت وقعة بني النضير في أوائل السنة الرابعة من الهجرة بعد غزوة أحد وقبل غزوة الأحزاب . ومما يذكر عنها أن رسول اللّه - صلى اللّه عليه وسلم - ذهب مع عشرة من كبار أصحابه منهم أبو بكر وعمر وعلي - رضي اللّه عنهم - إلى محلة بني النضير ، يطلب منهم المشاركة في أداء دية قتيلين بحكم ما كان بينه وبينهم من عهد في أول مقدمه على المدينة . فاستقبله يهود بني النضير بالبشر والترحاب ووعدوا بأداء ما عليهم ، بينما كانوا يدبرون أمرا لاغتيال رسول اللّه - صلى اللّه عليه وسلم - ومن معه . وكان - صلى اللّه عليه وسلم - جالسا إلى جدار من بيوتهم . فقال بعضهم لبعض : إنكم لن تجدوا الرجل على مثل حاله هذه . فمن رجل منكم يعلو هذا البيت ، فيلقي عليه صخرة ، فيريحنا منه ؟ فانتدب لذلك عمرو بن جحاش بن كعب . فقال : أنا لذلك . فصعد ليلقي عليه صخرة كما قال . فألهم رسول اللّه - صلى اللّه عليه وسلم - ما يبيت اليهود من غدر . فقام كأنما ليقضي أمرا . فلما غاب استبطأه من معه ، فخرجوا من المحلة يسألون عنه ، فعلموا أنه دخل المدينة . وأمر رسول اللّه - صلى اللّه عليه وسلم - بالتهيؤ لحرب بني النضير لظهور الخيانة منهم ، ونقض عهد الأمان الذي بينه وبينهم . وكان قد سبق هذا إقذاع كعب بن الأشرف - من بني النضير - في هجاء رسول اللّه - صلى اللّه عليه وسلم - وتأليبه الأعداء عليه . وما قيل من أن كعبا ورهطا من بني النضير اتصلوا بكفار قريش اتصال تآمر وتحالف وكيد ضد النبي - صلى اللّه عليه وسلم - مع قيام ذلك العهد بينهم وبينه . مما جعل رسول اللّه - صلى اللّه عليه وسلم - يأذن لمحمد بن مسلمة في قتل كعب بن الأشرف . فقتله . فلما كان التبييت للغدر برسول اللّه في محلة بني النضير لم يبق مفر من نبذ عهدهم إليهم . وفق القاعدة الإسلامية : « وَإِمَّا تَخافَنَّ مِنْ قَوْمٍ خِيانَةً فَانْبِذْ إِلَيْهِمْ عَلى سَواءٍ إِنَّ اللَّهَ لا يُحِبُّ الْخائِنِينَ » . . فتجهز رسول اللّه - صلى اللّه عليه وسلم - وحاصر محلة بني النضير ، وأمهلهم ثلاثة أيام - وقيل عشرة - ليفارقوا جواره ويجلوا عن المحلة على أن يأخذوا أموالهم ، ويقيموا وكلاء عنهم على بساتينهم ومزارعهم . ولكن المنافقين في المدينة - وعلى رأسهم عبد اللّه بن أبي بن سلول رأس النفاق - أرسلوا إليهم يحرضونهم على الرفض والمقاومة ، وقالوا لهم : أن اثبتوا وتمنعوا فإنا لن نسلمكم . إن قوتلتم قاتلنا معكم ، وإن أخرجتم خرجنا معكم . وفي هذا يقول اللّه تعالى : « أَ لَمْ تَرَ إِلَى الَّذِينَ نافَقُوا يَقُولُونَ لِإِخْوانِهِمُ الَّذِينَ كَفَرُوا مِنْ أَهْلِ الْكِتابِ : لَئِنْ أُخْرِجْتُمْ لَنَخْرُجَنَّ مَعَكُمْ وَلا نُطِيعُ فِيكُمْ أَحَداً أَبَداً ، وَإِنْ قُوتِلْتُمْ لَنَنْصُرَنَّكُمْ وَاللَّهُ يَشْهَدُ إِنَّهُمْ لَكاذِبُونَ . لَئِنْ أُخْرِجُوا لا يَخْرُجُونَ مَعَهُمْ ، وَلَئِنْ قُوتِلُوا لا يَنْصُرُونَهُمْ ، وَلَئِنْ نَصَرُوهُمْ لَيُوَلُّنَّ الْأَدْبارَ ثُمَّ لا يُنْصَرُونَ . لَأَنْتُمْ أَشَدُّ رَهْبَةً فِي صُدُورِهِمْ مِنَ اللَّهِ ، ذلِكَ بِأَنَّهُمْ قَوْمٌ لا يَفْقَهُونَ . . . » . فتحصن اليهود في الحصون ؛ فأمر رسول اللّه - صلى اللّه عليه وسلم - بقطع نخيلهم والتحريق فيها . فنادوه : أن يا محمد قد كنت تنهى عن الفساد وتعيبه على من صنعه : فما بال قطع النخيل وتحريقها ؟ وفي الرد عليهم نزل قوله تعالى : « ما قَطَعْتُمْ مِنْ لِينَةٍ أَوْ تَرَكْتُمُوها قائِمَةً عَلى أُصُولِها فَبِإِذْنِ اللَّهِ وَلِيُخْزِيَ الْفاسِقِينَ » . . ولما بلغ الحصار ستا وعشرين ليلة ، يئس اليهود من صدق وعد المنافقين لهم ، وقذف اللّه في قلوبهم الرعب ، فسألوا رسول اللّه - صلى اللّه عليه وسلم - أن يجليهم ويكف عن دمائهم ، كما سبق جلاء بني قينقاع ( وقد ذكرنا سببه وظروفه في تفسير سورة الأحزاب في الجزء الحادي والعشرين « 1 » ) على أن لهم ما حملت الإبل من أموالهم
--> ( 1 ) ص 2846 .