سيد قطب
3513
في ظلال القرآن
« أَ أَشْفَقْتُمْ أَنْ تُقَدِّمُوا بَيْنَ يَدَيْ نَجْواكُمْ صَدَقاتٍ ؟ فَإِذْ لَمْ تَفْعَلُوا وَتابَ اللَّهُ عَلَيْكُمْ فَأَقِيمُوا الصَّلاةَ وَآتُوا الزَّكاةَ وَأَطِيعُوا اللَّهَ وَرَسُولَهُ . وَاللَّهُ خَبِيرٌ بِما تَعْمَلُونَ » . . وفي هاتين الآيتين والروايات التي ذكرت أسباب نزولهما نجد لونا من ألوان الجهود التربوية لإعداد هذه الجماعة المسلمة في الصغير والكبير من شؤون الشعور والسلوك . ثم يعود السياق إلى المنافقين الذين يتولون اليهود ، فيصور بعض أحوالهم ومواقفهم ، ويتوعدهم بافتضاح أمرهم ، وسوء مصيرهم ، وانتصار الدعوة الإسلامية وأصحابها على الرغم من كل تدبيراتهم : « أَ لَمْ تَرَ إِلَى الَّذِينَ تَوَلَّوْا قَوْماً غَضِبَ اللَّهُ عَلَيْهِمْ ؟ ما هُمْ مِنْكُمْ وَلا مِنْهُمْ ، وَيَحْلِفُونَ عَلَى الْكَذِبِ وَهُمْ يَعْلَمُونَ . أَعَدَّ اللَّهُ لَهُمْ عَذاباً شَدِيداً ، إِنَّهُمْ ساءَ ما كانُوا يَعْمَلُونَ . اتَّخَذُوا أَيْمانَهُمْ جُنَّةً فَصَدُّوا عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ ، فَلَهُمْ عَذابٌ مُهِينٌ . لَنْ تُغْنِيَ عَنْهُمْ أَمْوالُهُمْ وَلا أَوْلادُهُمْ مِنَ اللَّهِ شَيْئاً . أُولئِكَ أَصْحابُ النَّارِ هُمْ فِيها خالِدُونَ . يَوْمَ يَبْعَثُهُمُ اللَّهُ جَمِيعاً فَيَحْلِفُونَ لَهُ كَما يَحْلِفُونَ لَكُمْ وَيَحْسَبُونَ أَنَّهُمْ عَلى شَيْءٍ . أَلا إِنَّهُمْ هُمُ الْكاذِبُونَ . اسْتَحْوَذَ عَلَيْهِمُ الشَّيْطانُ فَأَنْساهُمْ ذِكْرَ اللَّهِ ، أُولئِكَ حِزْبُ الشَّيْطانِ ، أَلا إِنَّ حِزْبَ الشَّيْطانِ هُمُ الْخاسِرُونَ » . . وهذه الحملة القوية على المنافقين الذين يتولون قوما غضب اللّه عليهم - وهم اليهود - تدل على أنهم كانوا يمعنون في الكيد للمسلمين ، ويتآمرون مع ألد أعدائهم عليهم ؛ كما تدل على أن سلطة الإسلام كانت قد عظمت ، بحيث يخافها المنافقون ، فيضطرون - عندما يواجههم رسول اللّه - صلى اللّه عليه وسلم - والمؤمنون بما يكشفه اللّه من تدبيراتهم ومؤمراتهم - إلى الحلف بالكذب لإنكار ما ينسب إليهم من مؤامرات وأقوال ؛ وهم يعلمون أنهم كاذبون في هذه الأيمان . إنما هم يتقون بأيمانهم ما يتوقعونه من مؤاخذتهم بما ينكشف من دسائسهم : « اتَّخَذُوا أَيْمانَهُمْ جُنَّةً » أي وقاية . وبذلك يستمرون في دسائسهم للصد عن سبيل اللّه ! واللّه يتوعدهم مرات في خلال هذه الآيات : « أَعَدَّ اللَّهُ لَهُمْ عَذاباً شَدِيداً . إِنَّهُمْ ساءَ ما كانُوا يَعْمَلُونَ » . . « فَلَهُمْ عَذابٌ مُهِينٌ » . . « لَنْ تُغْنِيَ عَنْهُمْ أَمْوالُهُمْ وَلا أَوْلادُهُمْ مِنَ اللَّهِ شَيْئاً . أُولئِكَ أَصْحابُ النَّارِ هُمْ فِيها خالِدُونَ » . . ويصور مشهدهم يوم القيامة في وضع مزر مهين ، وهم يحلفون للّه كما كانوا يحلفون للناس : « يَوْمَ يَبْعَثُهُمُ اللَّهُ جَمِيعاً فَيَحْلِفُونَ لَهُ كَما يَحْلِفُونَ لَكُمْ » . . مما يشير إلى أن النفاق قد تأصل في كيانهم ، حتى ليصاحبهم إلى يوم القيامة . وفي حضرة اللّه ذي الجلال . الذي يعلم خفايا القلوب وذوات الصدور ! « وَيَحْسَبُونَ أَنَّهُمْ عَلى شَيْءٍ » . . وهم على هواء لا يستندون إلى شيء . أي شيء ! ويدمغهم بالكذب الأصيل الثابت : « أَلا إِنَّهُمْ هُمُ الْكاذِبُونَ » . . ثم يكشف عن علة حالهم هذه . فقد استولى عليهم الشيطان كلية « فَأَنْساهُمْ ذِكْرَ اللَّهِ » . . والقلب الذي ينسى ذكر اللّه يفسد ويتمحض للشر : « أُولئِكَ حِزْبُ الشَّيْطانِ » . . الخالص للشيطان الذي يقف تحت لوائه ، ويعمل باسمه ، وينفذ غاياته . وهو الشر الخالص الذي ينتهي إلى الخسران الخالص : « أَلا إِنَّ حِزْبَ الشَّيْطانِ هُمُ الْخاسِرُونَ » . . وهي حملة شديدة عنيفة تناسب الشر والأذى والفتنة التي يدبرونها للمسلمين مع أعدائهم الماكرين . وتطمئن قلوب المسلمين . واللّه - سبحانه وتعالى - يتولى عنهم الحملة على أعدائهم المستورين !