سيد قطب
3508
في ظلال القرآن
والمهانة جزاء التبجح . وهي مهانة يوم يبعثهم اللّه جميعا . مهانة على رؤوس الجموع . وهو عذاب يقوم على حق وبيان لما عملوا . إن كانوا هم قد نسوه فإن اللّه أحصاه بعلمه الذي لا يند عنه شيء ، ولا يغيب عنه خاف : « وَاللَّهُ عَلى كُلِّ شَيْءٍ شَهِيدٌ » . . وتلتقي صورة الرعاية والعناية ، بصورة الحرب والنكاية ، في علم اللّه واطلاعه ، وشهوده وحضوره . فهو شاهد حاضر للعون والرعاية ؛ وهو شاهد حاضر للحرب والنكاية . فليطمئن بحضوره وشهوده المؤمنون . وليحذر من حضوره وشهوده الكافرون ! ويستطرد السياق من تقرير حقيقة : « وَاللَّهُ عَلى كُلِّ شَيْءٍ شَهِيدٌ » . . إلى رسم صورة حية من هذا الشهود ، تمس أوتار القلوب : « أَ لَمْ تَرَ أَنَّ اللَّهَ يَعْلَمُ ما فِي السَّماواتِ وَما فِي الْأَرْضِ ، ما يَكُونُ مِنْ نَجْوى ثَلاثَةٍ إِلَّا هُوَ رابِعُهُمْ ، وَلا خَمْسَةٍ إِلَّا هُوَ سادِسُهُمْ ، وَلا أَدْنى مِنْ ذلِكَ وَلا أَكْثَرَ إِلَّا هُوَ مَعَهُمْ ، أَيْنَ ما كانُوا ، ثُمَّ يُنَبِّئُهُمْ بِما عَمِلُوا يَوْمَ الْقِيامَةِ ، إِنَّ اللَّهَ بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيمٌ » . . تبدأ الآية بتقرير علم اللّه الشامل لما في السماوات وما في الأرض على إطلاقه ، فتدع القلب يرود آفاق السماوات وأرجاء الأرض مع علم اللّه المحيط بكل شيء في هذا المدى الوسيع المتطاول . من صغير وكبير ، وخاف وظاهر ، ومعلوم ومجهول . . ثم تتدرج من هذه الآفاق وتلك الأرجاء ، وتزحف وتقرب حتى تلمس ذوات المخاطبين وتمس قلوبهم بصورة من ذلك العلم الإلهي تهز القلوب : « ما يَكُونُ مِنْ نَجْوى ثَلاثَةٍ إِلَّا هُوَ رابِعُهُمْ ، وَلا خَمْسَةٍ إِلَّا هُوَ سادِسُهُمْ ، وَلا أَدْنى مِنْ ذلِكَ وَلا أَكْثَرَ إِلَّا هُوَ مَعَهُمْ أَيْنَ ما كانُوا » . . وهي حقيقة في ذاتها ، ولكنها تخرج في صورة لفظية عميقة التأثير . صورة تترك القلوب وجلة ترتعش مرة ، وتأنس مرة ، وهي مأخوذة بمحضر اللّه الجليل المأنوس . وحيثما اختلى ثلاثة تلفتوا ليشعروا باللّه رابعهم . وحيثما اجتمع خمسة تلفتوا ليشعروا باللّه سادسهم . وحيثما كان اثنان يتناجيان فاللّه هناك ! وحيثما كانوا أكثر فاللّه هناك ! إنها حالة لا يثبت لها قلب ؛ ولا يقوى على مواجهتها إلا وهو يرتعش ويهتز . . . وهو محضر مأنوس نعم . . ولكنه كذلك جليل رهيب . محضر اللّه : « هُوَ مَعَهُمْ أَيْنَ ما كانُوا » . . « ثُمَّ يُنَبِّئُهُمْ بِما عَمِلُوا يَوْمَ الْقِيامَةِ » . . وهذه لمسة أخرى ترجف وتزلزل . . إن مجرد حضور اللّه وسماعه أمر هائل . فكيف إذا كان لهذا الحضور والسماع ما بعده من حساب وعقاب ؟ وكيف إذا كان ما يسره المتناجون وينعزلون به ليخفوه ، سيعرض على الأشهاد يوم القيامة وينبئهم اللّه به في الملأ الأعلى في ذلك اليوم المشهود ؟ ! وتنتهي الآية بصورة عامة كما بدأت : « إِنَّ اللَّهَ بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيمٌ » . وهكذا تستقر حقيقة العلم الإلهي في القلوب ، بهذه الأساليب المنوعة في عرضها في الآية الواحدة . الأساليب التي تعمق هذه الحقيقة في القلب البشري ، وهي تدخل بها عليه من شتى المسالك والدروب !