سيد قطب
3506
في ظلال القرآن
المتعال ، العظيم الجليل ، القهار المتكبر ، الذي له ملك السماوات والأرض وهو الغني الحميد . تقول عائشة - رضي اللّه عنها - : الحمد للّه الذي وسع سمعه الأصوات . لقد جاءت المجادلة خولة إلى رسول اللّه - صلى اللّه عليه وسلم - في جانب البيت ، ما أسمع ما تقول . فأنزل اللّه عزّ وجل : « قَدْ سَمِعَ اللَّهُ قَوْلَ الَّتِي تُجادِلُكَ فِي زَوْجِها وَتَشْتَكِي إِلَى اللَّهِ . . . الآية » « 1 » . وفي رواية خولة - أو خويلة للتصغير والتدليل - للحادث ، وتصرفها هي فيه ، وذهابها إلى رسول اللّه - صلى اللّه عليه وسلم - ومجادلتها له ، ونزول القرآن بالحكم . . في هذا كله صورة من حياة تلك الجماعة الفريدة في تلك الفترة العجيبة . وشعورها بتلك الصلة المباشرة ، وانتظارها التوجيه من السماء في كل شأن من شؤونها واستجابة السماء لهذا الانتظار ، الذي يجعل الجماعة كلها - عيال اللّه - هو يرعاها وهي تتطلع إليه تطلع الطفل الصغير لأبيه وراعيه ! وننظر في رواية الحادث في النص القرآني ، فنجد عناصر التأثير والإيحاء والتربية والتوجيه تسير جنبا إلى جنب مع الحكم وتتخلله وتعقب عليه ، كما هو أسلوب القرآن الفريد : « قَدْ سَمِعَ اللَّهُ قَوْلَ الَّتِي تُجادِلُكَ فِي زَوْجِها وَتَشْتَكِي إِلَى اللَّهِ ، وَاللَّهُ يَسْمَعُ تَحاوُرَكُما ، إِنَّ اللَّهَ سَمِيعٌ بَصِيرٌ » . . وهو مطلع ذو إيقاع عجيب . . إنكما لم تكونا وحدكما . . لقد كان اللّه معكما . وكان يسمع لكما . لقد سمع قول المرأة . سمعها تجادلك في زوجها وتشتكي إلى اللّه . وعلم القصة كلها . وهو يعلم تحاور كما وما كان فيه . . إن اللّه سميع بصير . يسمع ويرى . هذا شأنه وهذه صورة منه في الحادث الذي كان اللّه ثالثكما فيه . . وكلها إيقاعات ولمسات تهز القلوب . . ثم يقرر أصل القضية ، وحقيقة الوضع فيها : « الَّذِينَ يُظاهِرُونَ مِنْكُمْ مِنْ نِسائِهِمْ ما هُنَّ أُمَّهاتِهِمْ . إِنْ أُمَّهاتُهُمْ إِلَّا اللَّائِي وَلَدْنَهُمْ . وَإِنَّهُمْ لَيَقُولُونَ مُنْكَراً مِنَ الْقَوْلِ وَزُوراً ، وَإِنَّ اللَّهَ لَعَفُوٌّ غَفُورٌ » . . فهو علاج للقضية من أساسها . إن هذا الظهار قائم على غير أصل . فالزوجة ليست أما حتى تكون محرمة كالأم . فالأم هي التي ولدت . ولا يمكن أن تستحيل الزوجة أما بكلمة تقال . إنها كلمة منكرة ينكرها الواقع . وكلمة مزورة ينكرها الحق . والأمور في الحياة يجب أن تقوم على الحق والواقع ، في وضوح وتحديد ، فلا تختلط ذلك الاختلاط ، ولا تضطرب هذا الاضطراب . . « وَإِنَّ اللَّهَ لَعَفُوٌّ غَفُورٌ » فيما سلف من هذه الأمور . وبعد تقرير أصل القضية على هذا النحو المحدد الواضح يجيء الحكم القضائي في الموضوع . « وَالَّذِينَ يُظاهِرُونَ مِنْ نِسائِهِمْ ثُمَّ يَعُودُونَ لِما قالُوا فَتَحْرِيرُ رَقَبَةٍ مِنْ قَبْلِ أَنْ يَتَمَاسَّا . ذلِكُمْ تُوعَظُونَ بِهِ ، وَاللَّهُ بِما تَعْمَلُونَ خَبِيرٌ » . . وقد جعل اللّه العتق في كفارات متنوعة ، وسيلة من وسائل التحرير للرقاب التي أوقعها نظام الحروب في الرق إلى أجل ، ينتهي بوسائل شتى هذه واحدة منها . وهناك أقوال كثيرة في معنى : « ثُمَّ يَعُودُونَ لِما قالُوا » . . نختار منها أنهم يعودون إلى الوطء الذي حرموه على أنفسهم بالظهار . فهذا أقرب ما يناسب السياق . فتحرير رقبة من قبل العودة إلى حله . . ثم التعقيب : « ذلِكُمْ تُوعَظُونَ بِهِ » . . فالكفارة مذكر وواعظ بعدم العودة إلى الظهار الذي لا يقوم على حق ولا معروف « وَاللَّهُ بِما تَعْمَلُونَ خَبِيرٌ » . . خبير بحقيقته ، وخبير بوقوعه ، وخبير بنيتكم فيه .
--> ( 1 ) أخرجه البخاري والنسائي .