سيد قطب

3490

في ظلال القرآن

أَصْحابُ الْجَحِيمِ » . . إن المتصدقين والمتصدقات لا يتفضلون على آخذي الصدقات ، ولا يتعاملون في هذا مع الناس . إنما هم يقرضون اللّه ويتعاملون مباشرة معه . فأي حافز للصدقة أوقع وأعمق من شعور المعطي بأنه يقرض الغني الحميد ، وأنه يتعامل مع مالك الوجود ؟ وأن ما ينفقه مخلف عليه مضاعفا ؛ وأن له بعد ذلك كله أجرا كريما ؟ ومقام الصديقين مقام رفيع كما تصوره الأحاديث النبوية الشريفة . ومع علو هذا المقام فهو بفضل اللّه ميسور لمن أراده ، وليس وقفا على أفراد ولا على طائفة . فكل من يحقق إيمانه باللّه ورسله يطمع في هذا المقام الرفيع ، ولا حجر على فضل اللّه : « وَالَّذِينَ آمَنُوا بِاللَّهِ وَرُسُلِهِ أُولئِكَ هُمُ الصِّدِّيقُونَ » . . وتلك خاصية هذا الدين وميزته . إنه طريق مفتوح لجميع البشر ، وأفق يتطلع إليه الجميع ، ليس فيه احتكار للمقامات ، وليس فيه خصوصيات محجوزة لأناس بأعيانهم . وليس إلا العمل يصعد بصاحبه إلى أرقى الدرجات . إنه دين لا مجال فيه للطبقات المحفوظة المقام ! روى الإمام مالك في كتابه « الموطأ » عن صفوان بن سليم ، عن عطاء بن يسار ، عن أبي سعيد الخدري ، أن رسول اللّه - صلى اللّه عليه وسلم - قال : « إن أهل الجنة ليتراءون أهل الغرف من فوقهم كما تتراءون الكوكب الدري الغابر في الأفق من المشرق أو المغرب ، لتفاضل ما بينهم » . . قالوا : يا رسول اللّه تلك منازل الأنبياء لا يبلغها غيرهم . قال : « بلى والذي نفسي بيده رجال آمنوا باللّه وصدقوا المرسلين « 1 » » . . فهذه لمسة الإيمان . فأما لمسة الفداء فقوله بعد ذلك : « والشهداء عند ربهم لهم أجرهم ونورهم » . . والحديث عن مقام الشهداء ورد مرات في القرآن ، وتواترت به الأحاديث النبوية . فهذا الدين لا يقوم بغير حراسة ؛ ولا يتحقق في الأرض بغير جهاد . جهاد لتأمين العقيدة وتأمين الدعوة وحماية أهله من الفتنة وشريعته من الفساد . ومن ثم كان للشهداء في سبيل اللّه - وهم وحدهم الذين يسمون شهداء - مقامهم ، وكان لهم قربهم من ربهم . القرب الذي يعبر عنه بأنهم « عِنْدَ رَبِّهِمْ » . . جاء في الصحيحين : « أن أرواح الشهداء في حواصل طير خضر تسرح في الجنة حيث شاءت ، ثم تأوي إلى تلك القناديل . فاطلع عليهم ربهم اطلاعة ، فقال : ما ذا تريدون ! فقالوا : نحب أن تردنا إلى الدار الدنيا فنقاتل فيك فنقتل كما قتلنا أول مرة . فقال : إني قد قضيت أنهم إليها لا يرجعون » . وأخرج الشيخان وغيرهما عن أنس رضي اللّه عنه ، قال : قال رسول اللّه - صلى اللّه عليه وسلم - : « ما أحد يدخل الجنة يحب أن يرجع إلى الدنيا وله ما على الأرض من شيء - إلا الشهيد - يتمنى أن يرجع إلى الدنيا فيقتل عشر مرات ، لما يرى من الكرامة » . . وكذلك كانت تهون الحياة على من يسمع هذه الموحيات ، ويعرف مقام الشهادة عند اللّه . . روى الإمام مالك . . . عن يحيى بن سعيد « أن رسول اللّه - صلى اللّه عليه وسلم - رغب في الجهاد وذكر الجنة ؛ ورجل من الأنصار يأكل تمرات في يده . فقال : إني لحريص على الدنيا إن جلست حتى أفرغ منهن ! فرمى ما في

--> ( 1 ) أخرجه الشيخان من حديث مالك .