سيد قطب
3481
في ظلال القرآن
عداد ولا حصر من خلائق لا يعلمها إلا اللّه . وفي كل لحظة ينزل من السماء من الأمطار والأشعة والنيازك والشهب ، والملائكة والأقدار والأسرار ؛ ويعرج فيها كذلك من المنظور والمستور ما لا يحصيه إلا اللّه . . والنص القصير يشير إلى هذه الحركة الدائبة التي لا تنقطع ، وإلى هذه الأحداث الضخام التي لا تحصى ؛ ويدع القلب البشري في تلفت دائم إلى ما يلج في الأرض وما يخرج منها ، وما ينزل من السماء وما يعرج فيها ، وفي تصور يقظ لعلم اللّه الشامل وهو يتبع هذه الحركات والأحداث ، في مساربها ومعارجها . والقلب في تلفته ذاك وفي يقظته هذه يعيش مع اللّه ، ويسيح في ملكوته بينما هو ثاو في مكانه ؛ ويسلك فجاج الكون ويجوب أقطار الوجود في حساسية وفي شفافية ، وفي رعشة من الروعة والانفعال . وبينما القلب في تلفته ذاك في الأرض والسماء ، إذا القرآن يرده إلى ذاته ، ويلمسه في صميمه . وإذا هو يجد اللّه معه ، ناظرا إليه ، مطلعا عليه ، بصيرا بعمله ، قريبا جد قريب : « وَهُوَ مَعَكُمْ أَيْنَ ما كُنْتُمْ ، وَاللَّهُ بِما تَعْمَلُونَ بَصِيرٌ » . . وهي كلمة على الحقيقة لا على الكناية والمجاز . فاللّه - سبحانه - مع كل أحد ، ومع كل شيء ، في كل وقت ، وفي كل مكان . مطلع على ما يعمل بصير بالعباد . وهي حقيقة هائلة حين يتمثلها القلب . حقيقة مذهلة من جانب ، ومؤنسة من جانب . مذهلة بروعة الجلال . ومؤنسة بظلال القربى . وهي كفيلة وحدها حين يحسها القلب البشري على حقيقتها أن ترفعه وتطهره ، وتدعه مشغولا بها عن كل أعراض الأرض ؛ كما تدعه في حذر دائم وخشية دائمة ، مع الحياة والتحرج من كل دنس ومن كل إسفاف . ومرة أخرى يعود إلى ملكية السماوات والأرض في مجال آخر غير الذي وردت فيه أول مرة : « لَهُ مُلْكُ السَّماواتِ وَالْأَرْضِ . وَإِلَى اللَّهِ تُرْجَعُ الْأُمُورُ » . . ففي المرة الأولى جاء ذكرها في معرض الإحياء والإماتة والقدرة المطلقة . وهنا يجيء ذكرها في معرض رجعة الأمور كلها إلى اللّه . وهي متصلة بملكية اللّه للسماوات والأرض ومكملة لحقيقتها . والشعور بهذه الحقيقة يحرس القلب من كل لفتة لغير اللّه في أي أمر . في أول الأمر وفي آخره . ويحميه من التطلع لغير اللّه في أي طلب ، ومراقبة غير اللّه في أي عمل . ويقيمه على الطريق إلى اللّه في سره وعلنه ، وحركته وسكونه ، وخوالجه ونجواه . وهو يعلم أن لا مهرب من اللّه إلا إليه ، ولا ملجأ منه إلا إلى حماه ! وينتهي هذا المطلع بحركة لطيفة من حركات القدرة في مجال الكون ، وفي أطواء الضمير : « يُولِجُ اللَّيْلَ فِي النَّهارِ وَيُولِجُ النَّهارَ فِي اللَّيْلِ . وَهُوَ عَلِيمٌ بِذاتِ الصُّدُورِ » . . ودخول الليل في النهار ، ودخول النهار في الليل ، حركة دائبة ، وهي في الوقت ذاته حركة لطيفة سواء كان المعنى طول الليل وأخذه من النهار ، وطول النهار وأخذه من الليل ؛ أو كان المعنى مجرد تداخل الليل في النهار عند الغروب ، وتداخل النهار في الليل عند الشروق . . ومثل هذه الحركة في خفائها ولطفها ، حركة العلم بذات الصدور . وذات الصدور هي الأسرار المصاحبة لها ، التي لا تفارقها ولا تبرحها ! والشعور بيد اللّه تولج الليل في النهار وتولج النهار في الليل ، في لطف ؛ ينشئ في القلب حالة من التأمل