سيد قطب
3472
في ظلال القرآن
عالما لا عهد لها به ، ولا تملك من أمره شيئا إلا ما ادخرت من عمل ، وما كسبت من خير أو شر . هنا . وهي ترى ولا تملك الحديث عما ترى . وقد انفصلت عمن حولها وما حولها . الجسد هو الذي يراه الناظرون . ولكنهم ينظرون ولا يرون ما يجري ولا يملكون من الأمر شيئا . هنا تقف قدرة البشر ، ويقف علم البشر ، وينتهي مجال البشر . هنا يعرفون - ولا يجادلون - أنهم عجزة عجزة . قاصرون قاصرون . هنا يسدل الستار دون الرؤية . ودون المعرفة . ودون الحركة . هنا تتفرد القدرة الإلهية ، والعلم الإلهي . ويخلص الأمر كله للّه بلا شائبة ولا شبهة ولا جدال ولا محال : « وَنَحْنُ أَقْرَبُ إِلَيْهِ مِنْكُمْ وَلكِنْ لا تُبْصِرُونَ » ! وهنا يجلل الموقف جلال اللّه ، ورهبة حضوره - سبحانه وتعالى - وهو حاضر في كل وقت . ولكن التعبير يوقظ الشعور بهذه الحقيقة التي يغفل عنها البشر . فإذا مجلس الموت تجلله رهبة الحضور وجلاله . فوق ما فيه من عجز ورهبة وانقطاع ووداع . وفي ظل هذه المشاعر الراجفة الواجفة الآسية الآسفة يجيء التحدي الذي يقطع كل قول وينهي كل جدال : « فَلَوْ لا إِنْ كُنْتُمْ غَيْرَ مَدِينِينَ : تَرْجِعُونَها إِنْ كُنْتُمْ صادِقِينَ ! » فلو كان الأمر كما تقولون : إنه لا حساب ولا جزاء . فأنتم إذن طلقاء غير مدينين ولا محاسبين . فدونكم إذن فلترجعوها - وقد بلغت الحلقوم - لتردوها عما هي ذاهبة إليه من حساب وجزاء . وأنتم حولها تنظرون . وهي ماضية إلى الدينونة الكبرى وأنتم ساكنون عاجزون ! هنا تسقط كل تعلة . وتنقطع كل حجة . ويبطل كل محال . وينتهي كل جدال . ويثقل ضغط هذه الحقيقة على الكيان البشري ، فلا يصمد له ، إلا وهو يكابر بلا حجة ولا دليل ! ثم يمضي السياق في بيان مصير هذه الروح الذي يتراءى لها من بعيد حين تبلغ الحلقوم ، وتستدبر الحياة الفانية ، وتستقبل الحياة الباقية . وتمضي إلى الدينونة التي يكذب بها المكذبون : « فَأَمَّا إِنْ كانَ مِنَ الْمُقَرَّبِينَ ، فَرَوْحٌ وَرَيْحانٌ وَجَنَّةُ نَعِيمٍ . وَأَمَّا إِنْ كانَ مِنْ أَصْحابِ الْيَمِينِ ، فَسَلامٌ لَكَ مِنْ أَصْحابِ الْيَمِينِ . وَأَمَّا إِنْ كانَ مِنَ الْمُكَذِّبِينَ الضَّالِّينَ . فَنُزُلٌ مِنْ حَمِيمٍ . وَتَصْلِيَةُ جَحِيمٍ » . وقد مرت بنا في أول السورة صور من نعيم المقربين . فالروح هنا ترى علائم هذا النعيم الذي ينتظرها : روح وريحان وجنة نعيم . والألفاظ ذاتها تقطر رقة ونداوة . وتلقي ظلال الراحة الحلوة ، والنعيم اللين والأنس الكريم . « وَأَمَّا إِنْ كانَ مِنْ أَصْحابِ الْيَمِينِ » . . فيلتفت بالخطاب إليه . . يبلغه سلام إخوانه من أصحاب اليمين . وما أندى السلام ساعتئذ وما أحبه . حين يتلقاه وقد بلغت الحلقوم ! فيطمئن باله ويشعر بالأنس في الصحبة المقبلة مع أصحاب اليمين . « وَأَمَّا إِنْ كانَ مِنَ الْمُكَذِّبِينَ الضَّالِّينَ . فَنُزُلٌ مِنْ حَمِيمٍ . وَتَصْلِيَةُ جَحِيمٍ » . . وما أسوأه نزلا ومثوى ذلك الحميم