سيد قطب

3458

في ظلال القرآن

« وَجَنَى الْجَنَّتَيْنِ دانٍ » . . قريب التناول ، لا يتعب في قطاف . ولكن هذا لا يستقصي ما فيهما من رفاهة ومتاع . فهناك بقية بهيجة لهذا المتاع : « فِيهِنَّ قاصِراتُ الطَّرْفِ لَمْ يَطْمِثْهُنَّ إِنْسٌ قَبْلَهُمْ وَلا جَانٌّ » . . فهن عفيفات الشعور والنظر . لا تمتد أبصارهن إلى غير أصحابهن ، مصونات لم يمسسهن إنس ولا جن . وهن - بعد هذا - ناضرات لامعات : « كَأَنَّهُنَّ الْياقُوتُ وَالْمَرْجانُ » . ذلك كله جزاء من خاف مقام ربه ، وعبده كأنه يراه ، شاعرا أن ربه يراه ، فبلغ بذلك مرتبة الإحسان كما وصفها رسول اللّه - صلى اللّه عليه وسلم - فنالوا جزاء الإحسان من عطاء الرحمن : « هَلْ جَزاءُ الْإِحْسانِ إِلَّا الْإِحْسانُ ؟ » وفي معرض الإنعام والإحسان ، كان التعقيب يجيء في موضعه بعد كل فقرة : « فَبِأَيِّ آلاءِ رَبِّكُما تُكَذِّبانِ ؟ » والآن إلى الفريق الآخر صاحب الجنتين الأخريين . « وَمِنْ دُونِهِما جَنَّتانِ » . . وأوصافهما أدنى من الجنتين السابقتين . فهما : « مُدْهامَّتانِ » . . أي مخضرتان خضرة تميل إلى السواد لما فيهما من أعشاب . « فِيهِما عَيْنانِ نَضَّاخَتانِ » . . تنضبان بالماء . وهذا دون الجريان ! « فِيهِما فاكِهَةٌ وَنَخْلٌ وَرُمَّانٌ » . . وهناك : « مِنْ كُلِّ فاكِهَةٍ زَوْجانِ » « فِيهِنَّ خَيْراتٌ حِسانٌ » . . بسكون ياء خيرات أو بتشديدها على الوصف . وتأويل الخيرات بالسكون أو الخيرات بالتشديد في الآية التالية : « حُورٌ مَقْصُوراتٌ فِي الْخِيامِ » . . وتلقي الخيام ظل البداوة . فهو نعيم بدوي أو يمثل مطالب أهل البداوة . . والحور مقصورات . أما حور الجنتين السابقتين فهن قاصرات الطرف . « لَمْ يَطْمِثْهُنَّ إِنْسٌ قَبْلَهُمْ وَلا جَانٌّ » . . فهن يشتركن مع زميلاتهن هناك في الصون والعفاف . أما أهل هاتين الجنتين فنحن ننظرهما : « مُتَّكِئِينَ عَلى رَفْرَفٍ خُضْرٍ وَعَبْقَرِيٍّ حِسانٍ » . . والرفرف الأبسطة وكأنها من صنع « عبقر » لتقريب وصفها إلى العرب ، وقد كانوا ينسبون كل عجيب إلى وادي الجن : عبقر ! ولكن المتكآت هناك بطائنها من إستبرق . وهناك جنى الجنتين دان فهما مرتبتان مختلفتان ! وهناك كذلك كان التعقيب بعد كل صفة للجنتين ونعيمهما : « فَبِأَيِّ آلاءِ رَبِّكُما تُكَذِّبانِ ؟ » . وفي ختام السورة التي استعرضت آلاء اللّه في الكون ، وآلاءه في الخلق ، وآلاءه في الآخرة . يجيء الإيقاع الأخير ، تسبيحا باسم الجليل الكريم ، الذي يفني كل حي ، ويبقى وجهه الكريم . « تَبارَكَ اسْمُ رَبِّكَ ذِي الْجَلالِ وَالْإِكْرامِ » . . أنسب ختام لسورة الرحمن . .