سيد قطب
3454
في ظلال القرآن
« والمرجان الأحمر هو المحور الصلب المتبقي بعد فناء الأجزاء الحية من الحيوان ، وتكون الهياكل الحجرية مستعمرات هائلة . « ومن هذه المستعمرات سلسلة الصخور المرجانية المعروفة باسم الحاجز المرجاني الكبير ، الموجود بالشمال الشرقي لأستراليا . ويبلغ طول هذه السلسلة ، ألفا و 350 ميلا . وعرضها 50 ميلا . وهي مكونة من هذه الكائنات الحية الدقيقة الحجم « 1 » » . ومن اللؤلؤ والمرجان تتخذ حلى غالية الثمن عالية القيمة ، ويمتن اللّه على عباده بهما ، فيعقب على ذكرهما في السورة ذلك التعقيب المشهود : « فَبِأَيِّ آلاءِ رَبِّكُما تُكَذِّبانِ ؟ » ثم ينتقل إلى الفلك التي تجري في البحار ، كأنها لضخامتها الجبال : « وَلَهُ الْجَوارِ الْمُنْشَآتُ فِي الْبَحْرِ كَالْأَعْلامِ » . . ويجعل هذه الجواري المنشآت « لَهُ » سبحانه وتعالى . فهي تجري بقدرته . ولا يحفظها في خضم البحر وثبج الموج إلا حفظه ولا يقرها على سطحه المتماوج إلا كلاءته . فهي له سبحانه . وقد كانت - وما تزال - من أضخم النعم التي منّ اللّه بها على العباد ، فيسرت لهم من أسباب الحياة والانتقال والرفاهية والكسب ما هو جدير بأن يذكر ولا ينكر . فهو من الضخامة والوضوح بحيث يصعب التكذيب به والإنكار . . « فَبِأَيِّ آلاءِ رَبِّكُما تُكَذِّبانِ ؟ » . والآن ينتهي هذا الاستعراض في صفحة الكون المنظور ، وتطوى صفحة الخلق الفاني ، وتتوارى أشباح الخلائق جميعا ، ويفرغ المجال من كل حي ، ويتجلى وجه الكريم الباقي ، متفردا بالبقاء ، متفردا بالجلال ؛ وتستقر في الحس حقيقة البقاء ، وهو يشهد ظلال الفناء : « كُلُّ مَنْ عَلَيْها فانٍ . وَيَبْقى وَجْهُ رَبِّكَ ذُو الْجَلالِ وَالْإِكْرامِ . فَبِأَيِّ آلاءِ رَبِّكُما تُكَذِّبانِ ؟ » . . وفي ظل هذا النص القرآني تخفت الأنفاس ، وتخشع الأصوات ، وتسكن الجوارح . . . وظل الفناء يشمل كل حي ، ويطوي كل حركة ، ويغمر آفاق السماوات والأرض . . وجلال الوجه الكريم الباقي يظلل النفوس والجوارح ، والزمان والمكان ، ويغمر الوجود كله بالجلال والوقار . . ولا يملك التعبير البشري أن يصور الموقف ؛ ولا يملك أن يزيد شيئا على النص القرآني ، الذي يسكب في الجوانح السكون الخاشع ، والجلال الغامر ، والصمت الرهيب ، والذي يرسم مشهد الفناء الخاوي ، وسكون الموت المخيم بلا حركة ، ولا نأمة في هذا الكون الذي كان حافلا بالحركة والحياة . ويرسم في الوقت ذاته حقيقة البقاء الدائم ، ويطبعها في الحس البشري الذي لا يعرف في تجاربه صورة للبقاء الدائم ؛ ولكنه يدركها بعمق في ذلك النص القرآني العجيب ! ويعقب على هذه اللمسة العميقة الأثر بنفس التعقيب . فيعد استقرار هذه الحقيقة . حقيقة الفناء لكل من عليها ، وبقاء الوجه الجليل الكريم وحده . يعد استقرار هذه الحقيقة نعمة يواجه بها الجن والإنس في معرض الآلاء : « فَبِأَيِّ آلاءِ رَبِّكُما تُكَذِّبانِ ؟ » . . وإنها لنعمة ، بل هي أساس النعم كلها جميعا . فمن حقيقة الوجود الباقي ينبثق كل هذا الخلق ؛ وناموسه
--> ( 1 ) المصدر السابق ص 106 - 107 .