سيد قطب

3438

في ظلال القرآن

والذبابة تبيض ملايين البويضات . ولكنها لا تعيش إلا أسبوعين . ولو كانت تعيش بضعة أعوام ، تبيض فيها بهذه النسبة لغطى الذباب وجه الأرض بنتاجه ؛ ولغدت حياة كثير من الأجناس - وأولها الإنسان - مستحيلة على وجه هذه الأرض . ولكن عجلة التوازن التي لا تختل ، في يد القدرة التي تدبر هذا الكون ، وازنت بين كثرة النسل وقصر العمر فكان هذا الذي نراه ! والميكروبات - وهي أكثر الأحياء عددا ، وأسرعها تكاثرا ، وأشدها فتكا - هي كذلك أضعف الأحياء مقاومة وأقصرها عمرا . تموت بملايين الملايين من البرد ، ومن الحر ، ومن الضوء ، ومن أحماض المعدات ، ومن أمصال الدم ، ومن عوامل أخرى كثيرة . ولا تتغلب إلا على عدد محدود من الحيوان والإنسان . ولو كانت قوية المقاومة أو طويلة العمر لدمرت الحياة والأحياء ! وكل حي من الأحياء مزود بسلاح يتقي به هجمات أعدائه ويغالب به خطر الفناء . وتختلف هذه الأسلحة وتتنوع . فكثرة العدد سلاح . وقوة البطش سلاح . وبينهما ألوان وأنواع . . الحيات الصغيرة مزودة بالسم أو بالسرعة للهرب من أعدائها . والثعابين الكبيرة مزودة بقوة العضل ، ومن ثم يندر فيها السام ! والخنفساء - وهي قليلة الحيلة - مزودة بمادة كاوية ذات رائحة كريهة ، تصبها على كل من يلمسها ، وقاية من الأعداء ! والظباء مزودة بسرعة الجري والقفز ، والأسود مزودة بقوة البأس والافتراس ! وهكذا كل حي من الأحياء الصغار والكبار على السواء . وكل حي مزود كذلك بالخصائص والوسائل التي يحصل بها على طعامه ، والتي ينتفع معها بهذا اللون من الطعام . . الإنسان والحيوان والطير وأدنأ أنواع الأحياء سواء . . البويضة بعد تلقيحها بالحيوان المنوي تلصق بالرحم . وهي مزودة بخاصية أكالة ، تمزق جدار الرحم حولها وتحوله إلى بركة من الدم المناسب لامتصاصها ونموها ! والحبل السري الذي يربط الجنين بأمه ليتغذى منها حتى يتم وضعه ، روعي في تكوينه ما يحقق الغرض الذي تكون من أجله ، دون إطالة قد تسبب تخمر الغذاء فيه ، أو قصر قد يؤدي إلى اندفاع الغذاء اليه بما قد يؤذيه » « 1 » . « والثدي يفرز في نهاية الحمل وبدء الوضع سائلا أبيض مائلا إلى الاصفرار . ومن عجيب صنع اللّه أن هذا السائل عبارة عن مواد كيماواة ذائبة تقي الطفل من عدوى الأمراض . وفي اليوم التالي للميلاد يبدأ اللبن في التكوين . ومن تدبير المدبر الأعظم أن يزداد مقدار اللبن الذي يفرزه الثدي يوما بعد يوم ، حتى يصل إلى حوالي ليتر ونصف في اليوم بعد سنة ، بينما لا تزيد كميته في الأيام الأولى على بضع أوقيات . ولا يقف الإعجاز عند كمية اللبن التي تزيد على حسب زيادة الطفل ؛ بل إن تركيب اللبن كذلك تتغير مكوّناته ، وتتركز مواده ، فهو يكاد يكون ماء به القليل من النشويات والسكريات في أول الأمر ، ثم تتركز مكوناته فتزيد نسبته النشوية والسكرية والدهنية فترة بعد أخرى ، بل يوما بعد يوم بما يوافق أنسجة وأجهزة الطفل المستمر النمو » « 2 » .

--> ( 1 ) من كتاب : اللّه والعلم الحديث للأستاذ عبد الرزاق نوفل ص 46 - 47 . ( 2 ) المصدر السابق ص 47 - 48 .