سيد قطب

3430

في ظلال القرآن

انتهى إليه جهده وعمله ، وما انتهت إليه طاقته ووسعه . ويدع له الأمر بعد أن لم تعد لديه طاقة لم يبذلها ، وبعد أن لم تبق له حيلة ولا حول : « فَدَعا رَبَّهُ : أَنِّي مَغْلُوبٌ . فَانْتَصِرْ » . . انتهت طاقتي . انتهى جهدي . انتهت قوتي . وغلبت على أمري . « أَنِّي مَغْلُوبٌ فَانْتَصِرْ » . . انتصر أنت يا ربي . انتصر لدعوتك . انتصر لحقك . انتصر لمنهجك . انتصر أنت فالأمر أمرك ، والدعوة دعوتك . وقد انتهى دوري ! وما تكاد هذه الكلمة تقال ؛ وما يكاد الرسول يسلم الأمر لصاحبه الجليل القهار ، حتى تشير اليد القادرة القاهرة إلى عجلة الكون الهائلة الساحقة . . فتدور دورتها المدوية المجلجلة : « فَفَتَحْنا أَبْوابَ السَّماءِ بِماءٍ مُنْهَمِرٍ . وَفَجَّرْنَا الْأَرْضَ عُيُوناً فَالْتَقَى الْماءُ عَلى أَمْرٍ قَدْ قُدِرَ » . . وهي حركة كونية ضخمة غامرة تصورها ألفاظ وعبارات مختارة . تبدأ بإسناد الفعل إلى اللّه مباشرة : « فَفَتَحْنا » فيحس القارئ يد الجبار تفتح « أَبْوابَ السَّماءِ » . . بهذا اللفظ وبهذا الجمع . « بِماءٍ مُنْهَمِرٍ » . . غزير متوال . وبالقوة ذاتها وبالحركة نفسها : « وَفَجَّرْنَا الْأَرْضَ عُيُوناً » . . وهو تعبير يرسم مشهد التفجر وكأنه ينبثق من الأرض كلها ، وكأنما الأرض كلها قد استحالت عيونا . والتقى الماء المنهمر من السماء بالماء المتفجر من الأرض . . « عَلى أَمْرٍ قَدْ قُدِرَ » . . التقيا على أمر مقدر ، فهما على اتفاق لتنفيذ هذا الأمر المقدر . طائعان للأمر ، محققان للقدر . حتى إذا صار طوفانا يطم ويعم ، ويغمر وجه الأرض ، ويطوي الدنس الذي يغشى هذا الوجه وقد يئس الرسول من تطهيره ، وغلب على أمره في علاجه . امتدت اليد القوية الرحيمة إلى الرسول الذي دعا دعوته ، فتحرك لها الكون كله . امتدت له هذه اليد بالنجاة وبالتكريم : « وَحَمَلْناهُ عَلى ذاتِ أَلْواحٍ وَدُسُرٍ . تَجْرِي بِأَعْيُنِنا جَزاءً لِمَنْ كانَ كُفِرَ » . . وظاهر من العبارة تفخيم السفينة وتعظيم أمرها . فهي ذات ألواح ودسر « 1 » . توصف ولا تذكر لفخامتها وقيمتها . وهي تجري في رعاية اللّه بملاحظة أعينه . « جَزاءً لِمَنْ كانَ كُفِرَ » . وجحد وازدجر . وهو جزاء يمسح بالرعاية على الجفاء ، وبالتكريم على الاستهزاء . ويصور مدى القوة التي يملك رصيدها من يغلب في سبيل اللّه . ومن يبذل طاقته ، ثم يعود إليه يسلم له أمره وأمر الدعوة ويدع له أن ينتصر ! . . إن قوى الكون الهائلة كلها في خدمته وفي نصرته . واللّه من ورائها بجبروته وقدرته . وعلى مشهد الانتصار الهائل الكامل ؛ والمحق الحاسم الشامل ، يتوجه إلى القلوب التي شهدت المشهد كأنها تراه . يتوجه إليها بلمسة التعقيب ، لعلها تتأثر وتستجيب : « وَلَقَدْ تَرَكْناها آيَةً فَهَلْ مِنْ مُدَّكِرٍ ؟ » . . هذه الواقعة بملابساتها المعروفة . تركناها آية للأجيال « فَهَلْ مِنْ مُدَّكِرٍ ؟ » يتذكر ويعتبر ؟ ثم سؤال لإيقاظ القلوب إلى هول العذاب وصدق النذير : « فَكَيْفَ كانَ عَذابِي وَنُذُرِ ؟ » . .

--> ( 1 ) الدسر : المسامير