سيد قطب

3422

في ظلال القرآن

والاعتبار الثاني : أن أولئك المشركين لم تكن قلوبهم ناجية من الرعشة والرجفة ، وهم يستمعون إلى محمد - صلى اللّه عليه وسلم - إنما كان العناد المصطنع هو الذي يحول بينهم وبين الإذعان . . والحادثان التاليان شاهد على ما كان يخالج قلوبهم من الارتعاش . روى ابن عساكر في ترجمة عتبة بن أبي لهب ، من طريق محمد بن إسحاق ، عن عثمان بن عروة ، ابن الزبير ، عن أبيه ، عن هناد بن الأسود ، قال : كان أبو لهب وابنه عتبة قد تجهزوا إلى الشام ، فتجهزت معهما ، فقال ابنه عتبة : واللّه لأنطلقن إلى محمد ، ولأوذينه في ربه ( سبحانه وتعالى ) . فانطلق حتى أتى النبي - صلى اللّه عليه وسلم - فقال : يا محمد . هو يكفر بالذي دنا فتدلى فكان قاب قوسين أو أدنى . . فقال النبي - صلى اللّه عليه وسلم - : « اللهم سلط عليه كلبا من كلابك » . . ثم انصرف عنه ، فرجع إلى أبيه ، فقال : يا بني ، ما قلت له ؟ فذكر له ما قاله . فقال : فما قال لك ؟ قال : اللهم سلط عليه كلبا من كلابك . قال : يا بني واللّه ما آمن عليك دعاءه ! فسرنا حتى نزلنا أبرأه - وهي في سدة - ونزلنا إلى صومعة راهب . فقال الراهب : يا معشر العرب ، ما أنزلكم هذه البلاد ؟ فإنها يسرح فيها الأسد كما تسرح الغنم ! فقال أبو لهب : إنكم قد عرفتم كبر سني وحقي ؛ وإن هذا الرجل قد دعا على ابني دعوة واللّه ما آمنها عليه ، فاجمعوا متاعكم إلى هذه الصومعة ، وافرشوا لابني عليها ، ثم افرشوا حولها . ففعلنا . فجاء الأسد فشم وجوهنا ، فلما لم يجد ما يريد تقبض فوثب وثبة فوق المتاع ، فشم وجهه ، ثم هزمه هزمة ففسخ رأسه . فقال أبو لهب : قد عرفت أنه لا ينفلت عن دعوة محمد ! هذا هو الحادث الأول صاحبه أبو لهب . أشد المخاصمين لمحمد - صلى اللّه عليه وسلم - المناوئين له ، المؤلبين عليه هو وبيته . المدعو عليه في القرآن هو وبيته : « تَبَّتْ يَدا أَبِي لَهَبٍ وَتَبَّ . ما أَغْنى عَنْهُ مالُهُ وَما كَسَبَ . سَيَصْلى ناراً ذاتَ لَهَبٍ . وَامْرَأَتُهُ حَمَّالَةَ الْحَطَبِ . فِي جِيدِها حَبْلٌ مِنْ مَسَدٍ » . . وذلك شعوره الحقيقي تجاه محمد وقول محمد . وتلك ارتجافة قلبه ومفاصله أمام دعوة محمد - صلى اللّه عليه وسلم - على ابنه . والحادث الثاني : صاحبه عتبة بن أبي ربيعة . وقد أرسلته قريش إلى محمد - صلى اللّه عليه وسلم - يفاوضه في الكف عن هذا الذي فرق قريشا وعاب آلهتهم ، على أن يكون له منهم ما يريد من مال أو رئاسة أو زواج . فلما انتهى من عرضه قال له رسول اللّه - صلى اللّه عليه وسلم - : « أفرغت يا أبا الوليد ؟ » قال : نعم . قال : « فاستمع مني » . قال : أفعل . قال : « بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمنِ الرَّحِيمِ . حم . تَنْزِيلٌ مِنَ الرَّحْمنِ الرَّحِيمِ . كِتابٌ فُصِّلَتْ آياتُهُ قُرْآناً عَرَبِيًّا لِقَوْمٍ يَعْلَمُونَ . بَشِيراً وَنَذِيراً فَأَعْرَضَ أَكْثَرُهُمْ فَهُمْ لا يَسْمَعُونَ » . . ثم مضى حتى قوله تعالى : « فَإِنْ أَعْرَضُوا فَقُلْ : أَنْذَرْتُكُمْ صاعِقَةً مِثْلَ صاعِقَةِ عادٍ وَثَمُودَ » . . عندئذ هب عتبة يمسك بفم النبي - صلى اللّه عليه وسلم - في ذعر وهو يقول : ناشدتك الرحم أن تكف . . وعاد إلى قريش يقص عليهم الأمر . ويعقب عليه يقول : وقد علمتم أن محمدا إذا قال شيئا لم يكذب ، فخشيت أن ينزل بكم العذاب « 1 » . فهذا شعور رجل لم يكن قد أسلم . والارتجاف فيه ظاهر . والتأثر المكبوت أمام العناد والمكابرة ظاهر . ومثل هؤلاء إذا استمعوا إلى سورة النجم من محمد - صلى اللّه عليه وسلم - فأقرب ما يحتمل أن تصادف قلوبهم لحظة الاستجابة التي لا يملكون أنفسهم إزاءها . وأن يؤخذوا بسلطان هذا القرآن فيسجدوا مع الساجدين . . بلا غرانيق ولا غيرها من روايات المفترين !

--> ( 1 ) ملخصة من روايات عدة .