سيد قطب
3416
في ظلال القرآن
وأضحك وأبكى . . فأنشأ للإنسان دواعي الضحك ودواعي البكاء . وجعله - وفق أسرار معقدة فيه - يضحك لهذا ويبكي لهذا . وقد يضحك غدا مما أبكاه اليوم . ويبكي اليوم مما أضحكه بالأمس . في غير جنون ولا ذهول إنما هي الحالات النفسية المتقلبة . والموازين والدواعي والدوافع والاعتبارات التي لا تثبت في شعوره على حال ! وأضحك وأبكى . . فجعل في اللحظة الواحدة ضاحكين وباكين . كل حسب المؤثرات الواقعة عليه . وقد يضحك فريق مما يبكي منه فريق . لأن وقعه على هؤلاء غير وقعه على أولئك . . وهو هو في ذاته . ولكنه بملابساته بعيد من بعيد ! وأضحك وأبكى . من الأمر الواحد صاحبه نفسه . يضحك اليوم من الأمر ثم تواجهه عاقبته غدا أو جرائره فإذا هو باك . يتمنى أن لم يكن فعل وأن لم يكن ضحك وكم من ضاحك في الدنيا باك في الآخرة حيث لا ينفع البكاء ! هذه الصور والظلال والمشاعر والأحوال . . وغيرها كثير تنبثق من خلال النص القصير ، وتتراءى للحس والشعور . وتظل حشود منها تنبثق من خلاله كلما زاد رصيد النفس من التجارب ؛ وكلما تجددت عوامل الضحك والبكاء في النفوس - وهذا هو الإعجاز في صورة من صوره الكثيرة في هذا القرآن . « وَأَنَّهُ هُوَ أَماتَ وَأَحْيا » . . وكذلك تنبثق من هذا النص صور لا عداد لها في الحس . أمات وأحيا . . أنشأ الموت والحياة ، كما قال في سورة أخرى : « الَّذِي خَلَقَ الْمَوْتَ وَالْحَياةَ » . وهما أمران معروفان كل المعرفة بوقوعهما المتكرر . ولكنهما خافيان كل الخفاء حين يحاول البشر أن يعرفوا طبيعتهما وسرهما الخافي على الأحياء . . فما الموت ؟ وما الحياة ؟ ما حقيقتهما حين يتجاوز الإنسان لفظهما وشكلهما الذي يراه ؟ كيف دبت الحياة في الكائن الحي ؟ ما هي ؟ ومن أين جاءت ؟ وكيف تلبست بهذا الكائن فكان ؟ وكيف سارت في طريقها الذي سارت فيه بهذا الكائن أو بهذه الكائنات الأحياء ؟ وما الموت ؟ وكيف كان . . قبل دبيب الحياة . وبعد مفارقتها للأحياء ؟ إنه السر الخافي وراء الستر المسبل ، بيد اللّه ! أمات وأحيا . . وتنبثق ملايين الصور من الموت والحياة . في عوالم الأحياء كلها . في اللحظة الواحدة . في هذه اللحظة . كم ملايين الملايين من الأحياء ماتت . وكم ملايين الملايين بدأت رحلة الحياة . ودب فيها هذا السر من حيث لا تعلم ومن حيث لا يعلم أحد إلا اللّه ! وكم من ميتات وقعت فإذا هي ذاتها بواعث حياة ! وكم من هذه الصور يتراءى على مدار القرون ، حين يستغرق الخيال في استعراض الماضي الطويل ، الذي كان قبل أن يكون الإنسان كله على هذا الكوكب . وندع ما يعلمه اللّه في غير هذا الكوكب من أنواع الموت والحياة التي لا تخطر على بال الإنسان ! إنها حشود من الصور وحشود ، تطلقها هذه الكلمات القلائل ، فتهز القلب البشري من أعماقه . فلا يتمالك نفسه ولا يتماسك تحت إيقاعاتها المنوعة الأصداء ! « وَأَنَّهُ خَلَقَ الزَّوْجَيْنِ الذَّكَرَ وَالْأُنْثى مِنْ نُطْفَةٍ إِذا تُمْنى » . . وهي الحقيقة الهائلة الواقعة المتكررة في كل لحظة . فينساها الإنسان لتكرارها أمام عينيه ، وهي أعجب من كل عجيبة تبدعها شطحات الخيال ! نطفة تمنى . . تراق . . إفراز من إفرازات هذا الجسد الإنساني الكثيرة كالعرق والدمع والمخاط ! فإذا هي