سيد قطب
3402
في ظلال القرآن
اليوم لا يغني عنهم كيد ولا تدبير . على أن لهم قبل ذلك اليوم عذابا - يتركه مجهولا ولكن أكثرهم لا يعلمون . ويفرغ بهذا التهديد الأخير من أمر المكذبين الظالمين ، الذين طاردهم هذه المطاردة الطويلة العنيفة ، لينتهي بهم إلى موقف المهدد الذي ينتظره العذاب من بعيد ومن قريب . . يفرغ منه ليلتفت إلى النبي الكريم الذي تطاول عليه المتطاولون ، وتقوّل عليه المتقولون ، يلتفت إليه - صلى اللّه عليه وسلم - يوجهه إلى الصبر على هذا العناء . وهذا التكذيب ، وهذا التطاول ؛ والصبر على طريق الدعوة الشاق الطويل . تاركا الأمر لحكم اللّه يفعل به ما يشاء : « وَاصْبِرْ لِحُكْمِ رَبِّكَ » . . ومع التوجيه إلى الصبر إيذان بالإعزاز الرباني ، والعناية الإلهية ، والأنس الحبيب الذي يمسح على مشقات الطريق مسحا ، ويجعل الصبر عليها أمرا محببا ، وهو الوسيلة إلى هذا الإعزاز الكريم : « وَاصْبِرْ لِحُكْمِ رَبِّكَ فَإِنَّكَ بِأَعْيُنِنا » . . ويا له من تعبير ! ويا له من تصوير ! ويا له من تقدير ! إنها مرتبة لم يبلغها قط إنسان . هذه المرتبة التي يصورها هذا التعبير الفريد في القرآن كله . حتى بين التعبيرات المشابهة . لقد قيل لموسى عليه السلام : « وَأَنَا اخْتَرْتُكَ فَاسْتَمِعْ لِما يُوحى » . . وقيل له : « وَأَلْقَيْتُ عَلَيْكَ مَحَبَّةً مِنِّي وَلِتُصْنَعَ عَلى عَيْنِي » . . وقيل له : « وَاصْطَنَعْتُكَ لِنَفْسِي » . . وكلها تعبيرات تدل على مقامات رفيعة . ولكنه قيل لمحمد - صلى اللّه عليه وسلم - : « فَإِنَّكَ بِأَعْيُنِنا » وهو تعبير فيه إعزاز خاص ، وأنس خاص . وهو يلقي ظلا فريدا أرق وأشف من كل ظل . . ولا يملك التعبير البشري أن يترجم هذا التعبير الخاص . فحسبنا أن نشير إلى ظلاله ، وأن نعيش في هذه الظلال . ومع هذا الإيناس هداية إلى طريق الصلة الدائمة به : « وَسَبِّحْ بِحَمْدِ رَبِّكَ حِينَ تَقُومُ . وَمِنَ اللَّيْلِ فَسَبِّحْهُ وَإِدْبارَ النُّجُومِ » . . فعلى مدار اليوم . عند اليقظة من النوم . وفي ثنايا الليل . وعند إدبار النجوم في الفجر . هنالك مجال الاستمتاع بهذا الإيناس الحبيب . والتسبيح زاد وأنس ومناجاة للقلوب . فكيف بقلب المحب الحبيب القريب ؟ ؟ ؟