سيد قطب

3393

في ظلال القرآن

وَسَبِّحْ بِحَمْدِ رَبِّكَ حِينَ تَقُومُ ، وَمِنَ اللَّيْلِ فَسَبِّحْهُ وَإِدْبارَ النُّجُومِ » . . إنه الإيقاع الذي يمسح على العنت والمشقة اللذين يلقاهما الرسول الكريم ، من أولئك المتعنتين المعاندين ، الذين اقتضت مواجهتهم تلك الحملة العنيفة من المطاردة والهجوم . . « وَالطُّورِ . وَكِتابٍ مَسْطُورٍ . فِي رَقٍّ مَنْشُورٍ . وَالْبَيْتِ الْمَعْمُورِ . وَالسَّقْفِ الْمَرْفُوعِ . وَالْبَحْرِ الْمَسْجُورِ . إِنَّ عَذابَ رَبِّكَ لَواقِعٌ . ما لَهُ مِنْ دافِعٍ . يَوْمَ تَمُورُ السَّماءُ مَوْراً . وَتَسِيرُ الْجِبالُ سَيْراً . فَوَيْلٌ يَوْمَئِذٍ لِلْمُكَذِّبِينَ الَّذِينَ هُمْ فِي خَوْضٍ يَلْعَبُونَ . يَوْمَ يُدَعُّونَ إِلى نارِ جَهَنَّمَ دَعًّا . هذِهِ النَّارُ الَّتِي كُنْتُمْ بِها تُكَذِّبُونَ . أَ فَسِحْرٌ هذا ؟ أَمْ أَنْتُمْ لا تُبْصِرُونَ ؟ اصْلَوْها فَاصْبِرُوا أَوْ لا تَصْبِرُوا ، سَواءٌ عَلَيْكُمْ ، إِنَّما تُجْزَوْنَ ما كُنْتُمْ تَعْمَلُونَ » . . هذه الآيات القصيرة ، والفواصل المنغمة ، والإيقاعات الفاصلة ، تصاحب السورة من مطلعها . وهي تبدأ كلمة واحدة . ثم تصبح كلمتين . ثم تطول شيئا فشيئا حتى تبلغ في نهاية المقطع اثنتي عشرة كلمة . مع المحافظة الكاملة على قوة الإيقاع . والطور : الجبل فيه شجر . والأرجح أن المقصود به هو الطور المعروف في القرآن ، المذكور في قصة موسى - عليه السلام - والذي نزلت فوقه الألواح . فالجو جو مقدسات يقسم بها اللّه سبحانه على الأمر العظيم الذي سيجيء . والكتاب المسطور في رق منشور . الأقرب أن يكون هو كتاب موسى الذي كتب له في الألواح . للمناسبة بينه وبين الطور . وقيل . هو اللوح المحفوظ . تمشيا مع ما بعده : البيت المعمور ، والسقف المرفوع . ولا يمتنع أن يكون هذا هو المقصود . والبيت المعمور : قد يكون هو الكعبة . ولكن الأرجح أن يكون بيت عبادة الملائكة في السماء لما ورد في الصحيحين في حديث الإسراء : « ثم رفع بي إلى البيت المعمور ، وإذا هو يدخله كل يوم سبعون ألفا لا يعودون إليه آخر ما عليهم » . . يعني يتعبدون فيه ويطوفون به كما يطوف أهل الأرض بكعبتهم ! والسقف المرفوع : السماء . قاله سفيان الثوري وشعبة وأبو الأحوص عن سماك بن خالد بن عرعرة عن علي - كرم اللّه وجهه - قال سفيان : ثم تلا : « وَجَعَلْنَا السَّماءَ سَقْفاً مَحْفُوظاً وَهُمْ عَنْ آياتِها مُعْرِضُونَ » . . والبحر المسجور : المملوء . وهو أنسب شيء يذكر مع السماء في مشهد . في انفساحه وامتلائه وامتداده . وهو آية فيها رهبة ولها روعة . تؤهلانه للذكر مع هذه المشاهد المقسم بها على الأمر العظيم . وقد يكون معنى المسجور : المتقد . كما قال في سورة أخرى : « وَإِذَا الْبِحارُ سُجِّرَتْ » أي توقدت نيرانا . كما أنه قد يشير إلى خلق آخر كالبيت المرفوع يعلمه اللّه . يقسم اللّه سبحانه بهذه الخلائق العظيمة على أمر عظيم . بعد أن يتهيأ الحس بهذه الإيقاعات لاستقبال ذلك الأمر العظيم : « إِنَّ عَذابَ رَبِّكَ لَواقِعٌ ، ما لَهُ مِنْ دافِعٍ » . . فهو واقع حتما ، لا يملك دفعه أحد أبدا . وإيقاع الآيتين والفاصلتين حاسم قاطع . يلقي في الحس أنه أمر داهم قاصم ، ليس منه واق ولا عاصم . وحين يصل هذا الإيقاع إلى الحس البشري بلا عائق فإنه يهزه ويضعضعه ويفعل به الأفاعيل . . قال الحافظ أبو بكر بن أبي الدنيا : حدثنا أبي ، حدثنا موسى بن داود ، عن صالح