سيد قطب

3389

في ظلال القرآن

الغايات ، إنما يعني نفسه بأداء الواجبات ، تحقيقا لمعنى العبادة في الأداء . أما الغايات فموكولة للّه ، يأتي بها وفق قدره الذي يريده . ولا داعي لاعتساف الوسائل والطرق للوصول إلى غاية أمرها إلى اللّه ، وليست داخلة في حساب المؤمن العابد للّه . ثم يستمتع العبد العابد براحة الضمير ، وطمأنينة النفس ، وصلاح البال ، في جميع الأحوال . سواء رأى ثمرة عمله أم لم يرها . تحققت كما قدرها أم على عكس ما قدرها . فهو قد أنهى عمله ، وضمن جزاءه ، عند تحقق معنى العبادة . واستراح . وما يقع بعد ذلك خارج عن حدود وظيفته . . وقد علم هو أنه عبد ، فلم يعد يتجاوز بمشاعره ولا بمطالبه حدود العبد . وعلم أن اللّه رب ، فلم يعد يتقحم فيما هو من شؤون الرب . واستقرت مشاعره عند هذا الحد ، ورضي اللّه عنه ، ورضي هو عن اللّه . وهكذا تتجلى جوانب من تلك الحقيقة الضخمة الهائلة ، التي تقررها آية واحدة قصيرة : « وَما خَلَقْتُ الْجِنَّ وَالْإِنْسَ إِلَّا لِيَعْبُدُونِ » . . وهي حقيقة كفيلة بأن تغير وجه الحياة كلها عندما تستقر حقا في الضمير . . . وفي ضوء هذه الحقيقة الكبيرة ينذر الذين ظلموا فلم يؤمنوا ؛ واستعجلوا وعد اللّه ، وكذبوا . وتختم السورة بهذا الإنذار الأخير : « فَإِنَّ لِلَّذِينَ ظَلَمُوا ذَنُوباً « 1 » مِثْلَ ذَنُوبِ أَصْحابِهِمْ . فَلا يَسْتَعْجِلُونِ . فَوَيْلٌ لِلَّذِينَ كَفَرُوا مِنْ يَوْمِهِمُ الَّذِي يُوعَدُونَ » . .

--> ( 1 ) الذنوب : الدلو . وهو كناية عن أن لهم مثل ما أصاب من قبلهم من الظالمين . .