سيد قطب

3386

في ظلال القرآن

تكون تلك البحوث إذن على طريق الحقيقة في ضوء هذا النص العجيب . . وفي ظل هذه اللمسات القصيرة العبارة الهائلة المدى : في أجواز السماء ، وفي آماد الأرض ، وفي أعماق الخلائق . يهتف بالبشر ليفروا إلى خالق السماء والأرض والخلائق ، متجردين من كل ما يثقل أرواحهم ويقيدها ؛ موحدين اللّه الذي خلق هذا الكون وحده بلا شريك . « فَفِرُّوا إِلَى اللَّهِ ، إِنِّي لَكُمْ مِنْهُ نَذِيرٌ مُبِينٌ . وَلا تَجْعَلُوا مَعَ اللَّهِ إِلهاً آخَرَ ، إِنِّي لَكُمْ مِنْهُ نَذِيرٌ مُبِينٌ » . . والتعبير بلفظ الفرار عجيب حقا . وهو يوحي بالأثقال والقيود والأغلال والأوهاق ، التي تشد النفس البشرية إلى هذه الأرض ، وتثقلها عن الانطلاق ، وتحاصرها وتأسرها وتدعها في عقال . وبخاصة أوهاق الرزق والحرص والانشغال بالأسباب الظاهرة للنصيب الموعود . ومن ثم يجيء الهتاف قويا للانطلاق والتملص والفرار إلى اللّه من هذه الأثقال والقيود ! الفرار إلى اللّه وحده منزها عن كل شريك . وتذكير الناس بانقطاع الحجة وسقوط العذر : « إِنِّي لَكُمْ مِنْهُ نَذِيرٌ مُبِينٌ » . . وتكرار هذا التنبيه في آيتين متجاورتين ، زيادة في التنبيه والتحذير ! وكأنما كانت هذه الإشارة إلى آية السماء وآية الأرض وآية الخليقة استطرادا مع آيات الرسالات والرسل . فلما انتهت جاء التعقيب على قصص الرسل التي سلفت في السياق : « كَذلِكَ ما أَتَى الَّذِينَ مِنْ قَبْلِهِمْ مِنْ رَسُولٍ إِلَّا قالُوا : ساحِرٌ أَوْ مَجْنُونٌ . أَ تَواصَوْا بِهِ ؟ بَلْ هُمْ قَوْمٌ طاغُونَ . فَتَوَلَّ عَنْهُمْ فَما أَنْتَ بِمَلُومٍ . وَذَكِّرْ فَإِنَّ الذِّكْرى تَنْفَعُ الْمُؤْمِنِينَ » . . فهي جبلة واحدة وطبيعة واحدة للمكذبين ؛ وهو استقبال واحد للحق وللرسل يستقبلهم به المنحرفون : « كَذلِكَ ما أَتَى الَّذِينَ مِنْ قَبْلِهِمْ مِنْ رَسُولٍ إِلَّا قالُوا : ساحِرٌ أَوْ مَجْنُونٌ » . . كما يقول هؤلاء المشركون ! كأنما تواصوا بهذا الاستقبال على مدار القرون ! وما تواصوا بشيء إنما هي طبيعة الطغيان وتجاوز الحق والقصد تجمع بين الغابرين واللاحقين ! والنتيجة الطبيعية التي تترتب على هذا الموقف المكرور ، الذي كأنما تواصى به الطاغون على مدار القرون ، ألا يحفل الرسول - صلى اللّه عليه وسلم - تكذيب المشركين . فهو غير ملوم على ضلالهم ، ولا مقصر في هدايتهم : « فَتَوَلَّ عَنْهُمْ فَما أَنْتَ بِمَلُومٍ » . . إنما هو مذكر ، فعليه أن يذكر ، وأن يمضي في التذكير ، مهما أعرض المعرضون وكذب المكذبون : « وَذَكِّرْ فَإِنَّ الذِّكْرى تَنْفَعُ الْمُؤْمِنِينَ » . . ولا تنفع غيرهم من الجاحدين . والتذكير هو وظيفة الرسل . والهدى والضلال خارجان عن هذه الوظيفة ، والأمر فيهما إلى اللّه وحده . الذي خلق الناس لأمر يريده . هنا يجيء الإيقاع الأخير في السورة . ويتضح معنى الفرار إلى اللّه ، والتخلص من الأوهاق والأثقال ، لأداء الوظيفة التي خلق اللّه العباد لها ، ومنحهم وجودهم ليؤدوها : « وَما خَلَقْتُ الْجِنَّ وَالْإِنْسَ إِلَّا لِيَعْبُدُونِ . ما أُرِيدُ مِنْهُمْ مِنْ رِزْقٍ وَما أُرِيدُ أَنْ يُطْعِمُونِ . إِنَّ اللَّهَ هُوَ الرَّزَّاقُ ذُو الْقُوَّةِ الْمَتِينُ » . . وإن هذا النص الصغير ليحتوي حقيقة ضخمة هائلة ، من أضخم الحقائق الكونية التي لا تستقيم حياة البشر