سيد قطب
3384
في ظلال القرآن
التي خلعها عليه . وهو معهما يسمع ويرى . ولكن فرعون تولى بركنه ، وأزور بجانبه عن الحق الواضح والبرهان القاطع ؛ وقال عن موسى النبي الذي كشف له عن آيات اللّه الخوارق : « ساحِرٌ أَوْ مَجْنُونٌ » . . مما يقطع بأن الآيات والخوارق لا تهدي قلبا لم يتأهب للهدى ؛ ولا تقطع لسانا يصر على الباطل ويفتري . ولا يطيل السياق هنا في عرض تفصيلات القصة ؛ فيمضي إلى نهايتها التي تتجلى فيها الآية الباقية المذكورة في التاريخ : « فَأَخَذْناهُ وَجُنُودَهُ فَنَبَذْناهُمْ فِي الْيَمِّ وَهُوَ مُلِيمٌ » . . أي مستحقا للوم على ما كان منه من طغيان ومن تكذيب . وواضح في التعبير فعل اللّه المباشر في أخذه هو وقومه ، وفي نبذهم في اليم . وهو الإيقاع المقصود لإبراز آية اللّه في موسى . في معرض آياته في الأرض والأنفس وتاريخ الرسالات والمرسلين . وآية أخرى في عاد : « وَفِي عادٍ إِذْ أَرْسَلْنا عَلَيْهِمُ الرِّيحَ الْعَقِيمَ . ما تَذَرُ مِنْ شَيْءٍ أَتَتْ عَلَيْهِ إِلَّا جَعَلَتْهُ كَالرَّمِيمِ » . . وسميت الريح التي أرسلت على عاد عقيما لأنها لم تكن تحمل ماء ولا حياة كما توقعوا . إنما تحمل الموت والدمار . وتترك كل شيء تأتي عليه كالميت الذي رم وتحول إلى فتات ! والريح قوة من قوى هذا الكون . وجند من جند اللّه . وما يعلم جنود ربك إلا هو . يرسلها - في اطار مشيئته وناموسه - في صورة ما من صورها ، في الوقت المقدر ، على من يريد ، بالهلاك والدمار ، أو بالحيا والحياة . ولامكان في مثل هذه المواضع للاعتراض السطحي الساذج ، بالقول بأن الريح تجري وفق نظام كوني ؛ وتهب هنا أو هناك تبعا لعوامل طبيعية . فالذي يجريها وفق ذلك النظام وتبع هذه العوامل هو الذي يسلطها على من يشاء عندما يشاء وفق تقديره وتدبيره . وهو قادر على أن يسلطها كما يريد في اطار النظام الذي قدره والعوامل التي جعلها . ولا مخالفة ولا شبهة ولا اعتراض ! وآية ثالثة في ثمود : « وَفِي ثَمُودَ إِذْ قِيلَ لَهُمْ : تَمَتَّعُوا حَتَّى حِينٍ . فَعَتَوْا عَنْ أَمْرِ رَبِّهِمْ ، فَأَخَذَتْهُمُ الصَّاعِقَةُ وَهُمْ يَنْظُرُونَ . فَمَا اسْتَطاعُوا مِنْ قِيامٍ وَما كانُوا مُنْتَصِرِينَ » . . والإشارة في قوله : « إِذْ قِيلَ لَهُمْ تَمَتَّعُوا حَتَّى حِينٍ » . . قد تعني إمهالهم ثلاثة أيام بعد قتل الناقة . وهو ما ورد في الآية : « فَقالَ : تَمَتَّعُوا فِي دارِكُمْ ثَلاثَةَ أَيَّامٍ » . . وقد تعني ما قدر لهم من المتاع منذ الرسالة إلى أن قتلوا الناقة ، وعتوا عن أمر ربهم ، فحق عليهم الهلاك . وما يقال في الحجارة التي أرسلت على قوم لوط ، وفي الريح التي أرسلت على عاد ، يقال في الصاعقة التي أرسلت على ثمود . فكلها قوى كونية مدبرة بأمر اللّه ، مسخرة بمشيئته وبنواميسه . يسلطها على من يشاء في اطار تلك النواميس . فتؤدي دورها الذي يكلفها اللّه . كأي جند من جند اللّه . وآية رابعة في قوم نوح : « وَقَوْمَ نُوحٍ مِنْ قَبْلُ إِنَّهُمْ كانُوا قَوْماً فاسِقِينَ » . .