سيد قطب
3379
في ظلال القرآن
غذائها أيضا . . هذه الأقوات الكامنة في جوفها ، والساربة في مجاريها ، والسابحة في هوائها ، والنابتة على سطحها ، والقادمة إليها من الشمس ومن عوالم أخرى بعضها معروف وبعضها مجهول ، ولكنها تتدفق وفق تدبير المشيئة المدبرة التي خلقت هذا المحضن لهذا النوع من الحياة ، وجهزته بكل ما يلزم للأنواع الكثيرة التي لا تحصى . وتنوع مشاهد هذه الأرض ومناظرها ، حيثما امتد الطرف ، وحيثما تنقلت القدم . وعجائب هذه المشاهد التي لا تنفد : من وهاد وبطاح ، ووديان وجبال ؛ وبحار وبحيرات ، وأنهار وغدران . وقطع متجاورات ، وجنات من أعناب ، وزرع ، ونخيل صنوان وغير صنوان . . وكل مشهد من هذه المشاهد تتناوله يد الإبداع والتغيير الدائبة التي لا تفتر عن الإبداع والتغيير . ويمر به الإنسان وهو ممحل فإذا هو مشهد ، ويمر به وهو ممرع فإذا هو مشهد آخر . ويراه وهو نبت خضر فإذا هو مشهد ، ويراه إبان الحصاد حين يهيج ويصفر فإذا هو مشهد آخر . وهو هو لم ينتقل باعا ولا ذراعا في المكان ! والخلائق التي تعمر هذه الأرض من الأحياء . نباتا وحيوانا . وطيرا وسمكا ، وزواحف وحشرات . . بله الإنسان فالقرآن يفرده بنص خاص . . هذه الخلائق التي لم يعرف عدد أنواعها وأجناسها بعد - فضلا على إحصاء أعدادها وأفرادها وهو مستحيل - وكل خليقة منها أمة ! وكل فرد منها عجيبة . كل حيوان . كل طائر . كل زاحفة . كل حشرة . كل دودة . كل نبتة : لا بل كل جناح في يرقة ، وكل ورقة في زهرة ، وكل قصبة في ورقة ! في ذلك المعرض الإلهي العجيب الذي لا تنقضي عجائبه . ولو مضى الإنسان - بل لو مضى الأناسي جميعا - يتأملون هكذا ويشيرون مجرد إشارة إلى ما في الأرض من عجائب ، وإلى ما تشير إليه هذه العجائب من آيات ، ما انتهى لهم قول ولا إشارة . والنص القرآني ما يزيد على أن يوقظ القلب البشري للتأمل والتدبر ، واستجلاء العجائب في هذا المعرض الهائل ، طوال الرحلة على هذا الكوكب ؛ والمتعة بما في هذا الاستجلاء من مسرة طوال الرحلة . غير أنه لا يدرك هذه العجائب ، ولا يستمتع بالرحلة هذا المتاع ، إلا القلب العامر باليقين . « وَفِي الْأَرْضِ آياتٌ لِلْمُوقِنِينَ » . . فلمسة اليقين هي التي تحيي القلب فيرى ويدرك ؛ وتحيي مشاهد الأرض فتنطق للقلب بأسرارها المكنونة ، وتحدثه عما وراءها من تدبير وإبداع . وبدون هذه اللمسة تظل تلك المشاهد ميتة جامدة جوفاء ؛ لا تنطق للقلب بشيء ؛ ولا تتجاوب معه بشيء . وكثيرون يمرون بالمعرض الإلهي المفتوح مغمضي العيون والقلوب . لا يحسون فيه حياة ، ولا يفقهون له لغة ؛ لأن لمسة اليقين لم تحي قلوبهم ، ولم تبث الحياة فيما حولهم ! وقد يكون منهم علماء . « يَعْلَمُونَ ظاهِراً مِنَ الْحَياةِ الدُّنْيا » . أما حقيقتها فتظل محجوبة عن قلوبهم ، فالقلوب لا تفتح لحقيقة الوجود إلا بمفتاح الإيمان ، ولا تراها إلا بنور اليقين . . وصدق اللّه العظيم . ثم العجيبة الأخرى التي تدب على هذه الأرض : « وَفِي أَنْفُسِكُمْ ، أَ فَلا تُبْصِرُونَ ؟ » . . وهذا المخلوق الإنساني هو العجيبة الكبرى في هذه الأرض . ولكنه يغفل عن قيمته ، وعن أسراره الكامنة في كيانه ، حين يغفل قلبه عن الإيمان وحين يحرم نعمة اليقين . إنه عجيبة في تكوينه الجسماني : في أسرار هذا الجسد . عجيبة في تكوينه الروحي : في أسرار هذه النفس . وهو عجيبة في ظاهره وعجيبة في باطنه . وهو يمثل عناصر هذا الكون وأسراره وخفاياه : وتزعم أنك جرم صغير * وفيك انطوى العالم الأكبر وحيثما وقف الإنسان يتأمل عجائب نفسه التقى بأسرار تدهش وتحير . تكوين أعضائه وتوزيعها . وظائفها