سيد قطب
3367
في ظلال القرآن
وطلوع الشمس وغروبها ومشهد الليل الذي يعقب الغروب . . كلها ظواهر مرتبطة بالسماوات والأرض . وهو يربط إليها التسبيح والحمد والسجود . ويتحدث في ظلالها عن الصبر على ما يقولون من إنكار للبعث وجحود بقدرة اللّه على الإحياء والإعادة . فإذا جو جديد يحيط بتلك اللمسة المكررة . جو الصبر والحمد والتسبيح والسجود . موصولا كل ذلك بصفحة الكون وظواهر الوجود ، تثور في الحس كلما نظر إلى السماوات والأرض ؛ وكلما رأى مطلع الشمس ، أو مقدم الليل ؛ وكلما سجد للّه في شروق أو غروب . . ثم . . لمسة جديدة ترتبط كذلك بالصفحة الكونية المعروضة . . اصبر وسبح واسجد . وأنت في حالة انتظار وتوقع للأمر الهائل الجلل ، المتوقع في كل لحظة من لحظات الليل والنهار . لا يغفل عنه إلا الغافلون . الأمر الذي تدور عليه السورة كلها ، وهو موضوعها الأصيل : « وَاسْتَمِعْ يَوْمَ يُنادِ الْمُنادِ مِنْ مَكانٍ قَرِيبٍ . يَوْمَ يَسْمَعُونَ الصَّيْحَةَ بِالْحَقِّ ذلِكَ يَوْمُ الْخُرُوجِ . إِنَّا نَحْنُ نُحْيِي وَنُمِيتُ وَإِلَيْنَا الْمَصِيرُ . يَوْمَ تَشَقَّقُ الْأَرْضُ عَنْهُمْ سِراعاً . ذلِكَ حَشْرٌ عَلَيْنا يَسِيرٌ » . . وإنه لمشهد جديد مثير ، لذلك اليوم العسير . ولقد عبر عنه أول مرة في صورة أخرى ومشهد آخر في قوله : « وَنُفِخَ فِي الصُّورِ ذلِكَ يَوْمُ الْوَعِيدِ . وَجاءَتْ كُلُّ نَفْسٍ مَعَها سائِقٌ وَشَهِيدٌ . . » إلخ . فأما هنا فعبر عن النفخة بالصيحة . وصور مشهد الخروج . ومشهد تشقق الأرض عنهم . هذه الخلائق التي غبرت في تاريخ الحياة كلها إلى نهاية الرحلة . تشقق القبور التي لا تحصى . والتي تعاقب فيها الموتى . كما يقول المعري : رب قبر قد صار قبرا مرارا * ضاحك من تزاحم الأضداد ودفين على بقايا دفين * في طويل الآجال والآماد كلها تشقق ، وتتكشف عن أجساد ورفات وعظام وذرات تائهة أو حائلة في مسارب الأرض ، لا يعرف مقرها إلا اللّه . . وإنه لمشهد عجيب لا يأتي عليه الخيال ! وفي ظلال هذا المشهد الثائر المثير يقرر الحقيقة التي فيها يجادلون وبها يجحدون : « إِنَّا نَحْنُ نُحْيِي وَنُمِيتُ وَإِلَيْنَا الْمَصِيرُ » . . « ذلِكَ حَشْرٌ عَلَيْنا يَسِيرٌ » . . في أنسب وقت للتقرير . . وفي ظلال هذا المشهد كذلك يتوجه بالتثبيت للرسول - صلى اللّه عليه وسلم - تجاه جدلهم وتكذيبهم في هذه الحقيقة الواضحة المشهودة بعين الضمير : « نَحْنُ أَعْلَمُ بِما يَقُولُونَ . وَما أَنْتَ عَلَيْهِمْ بِجَبَّارٍ . فَذَكِّرْ بِالْقُرْآنِ مَنْ يَخافُ وَعِيدِ » . . « نَحْنُ أَعْلَمُ بِما يَقُولُونَ » . . وهذا حسبك . فللعلم عواقبه عليهم . . وهو تهديد مخيف ملفوف . « وَما أَنْتَ عَلَيْهِمْ بِجَبَّارٍ » . . فترغمهم على الإيمان والتصديق . فالأمر في هذا ليس إليك . إنما هو لنا نحن ، ونحن عليهم رقباء وبهم موكلون . . « فَذَكِّرْ بِالْقُرْآنِ مَنْ يَخافُ وَعِيدِ » . . والقرآن يهز القلوب ويزلزلها فلا يثبت له قلب يعي ويخاف ما يواجهه به من حقائق ترجف لها القلوب . على ذلك النحو العجيب . وحين تعرض مثل هذه السورة ، فإنها لا تحتاج إلى جبار يلوي الأعناق على الإيمان . ففيها من القوة والسلطان ما لا يملكه الجبارون . وفيها من الإيقاعات على القلب البشري ما هو أشد من سياط الجبارين ! وصدق اللّه العظيم . .