سيد قطب
3364
في ظلال القرآن
والموت أشد ما يحاول المخلوق البشري أن يروغ منه ، أو يبعد شبحه عن خاطره . ولكن أنى له ذلك : والموت طالب لا يمل الطلب ، ولا يبطئ الخطى ، ولا يخلف الميعاد ؛ وذكر سكرة الموت كفيل برجفة تدب في الأوصال ! وبينما المشهد معروض يسمع الإنسان : « ذلِكَ ما كُنْتَ مِنْهُ تَحِيدُ » . وإنه ليرجف لصداها وهو بعد في عالم الحياة ! فكيف به حين تقال له وهو يعاني السكرات ! وقد ثبت في الصحيح أن رسول اللّه - صلى اللّه عليه وسلم - لما تغشاه الموت جعل يمسح العرق عن وجهه ويقول : « سبحان اللّه . إن للموت لسكرات » . . يقولها وهو قد اختار الرفيق الأعلى واشتاق إلى لقاء اللّه . فكيف بمن عداه ؟ ويلفت النظر في التعبير ذكر كلمة الحق : « وَجاءَتْ سَكْرَةُ الْمَوْتِ بِالْحَقِّ » . . وهي توحي بأن النفس البشرية ترى الحق كاملا وهي في سكرات الموت . تراه بلا حجاب ، وتدرك منه ما كانت تجهل وما كانت تجحد ، ولكن بعد فوات الأوان ، حين لا تنفع رؤية ، ولا يجدي إدراك ، ولا تقبل توبة ، ولا يحسب إيمان . وذلك الحق هو الذي كذبوا به فانتهوا إلى الأمر المريج ! . . وحين يدركونه ويصدقون به لا يجدي شيئا ولا يفيد ! ومن سكرة الموت ، إلى وهلة الحشر ، وهول الحساب : « وَنُفِخَ فِي الصُّورِ . ذلِكَ يَوْمُ الْوَعِيدِ . وَجاءَتْ كُلُّ نَفْسٍ مَعَها سائِقٌ وَشَهِيدٌ . لَقَدْ كُنْتَ فِي غَفْلَةٍ مِنْ هذا فَكَشَفْنا عَنْكَ غِطاءَكَ ، فَبَصَرُكَ الْيَوْمَ حَدِيدٌ . وَقالَ قَرِينُهُ : هذا ما لَدَيَّ عَتِيدٌ . أَلْقِيا فِي جَهَنَّمَ كُلَّ كَفَّارٍ عَنِيدٍ . مَنَّاعٍ لِلْخَيْرِ مُعْتَدٍ مُرِيبٍ . الَّذِي جَعَلَ مَعَ اللَّهِ إِلهاً آخَرَ فَأَلْقِياهُ فِي الْعَذابِ الشَّدِيدِ . قالَ قَرِينُهُ : رَبَّنا ما أَطْغَيْتُهُ وَلكِنْ كانَ فِي ضَلالٍ بَعِيدٍ . قالَ : لا تَخْتَصِمُوا لَدَيَّ وَقَدْ قَدَّمْتُ إِلَيْكُمْ بِالْوَعِيدِ . ما يُبَدَّلُ الْقَوْلُ لَدَيَّ وَما أَنَا بِظَلَّامٍ لِلْعَبِيدِ » . . وهو مشهد يكفي استحضاره في النفس لتقضي رحلتها كلها على الأرض في توجس وحذر وارتقاب . وقد قال رسول اللّه - صلى اللّه عليه وسلم - : « كيف أنعم ، وصاحب القرن قد التقم القرن ، وحنى جبهته ، وانتظر أن يؤذن له ؟ » قالوا : يا رسول اللّه ، كيف نقول ؟ قال - صلى اللّه عليه وسلم - : « قولوا : حسبنا اللّه ونعم الوكيل » . فقال القوم : حسبنا اللّه ونعم الوكيل « 1 » . . « وَجاءَتْ كُلُّ نَفْسٍ مَعَها سائِقٌ وَشَهِيدٌ » . . جاءت كل نفس . فالنفس هنا هي التي تحاسب ، وهي التي تتلقى الجزاء . ومعها سائق يسوقها وشاهد يشهد عليها . قد يكونان هما الكاتبان الحافظان لها في الدنيا . وقد يكونان غيرهما . والأول أرجح . وهو مشهد أشبه شيء بالسوق للمحاكمة . ولكن بين يدي الجبار . وفي هذا الموقف العصيب يقال له : « لَقَدْ كُنْتَ فِي غَفْلَةٍ مِنْ هذا . فَكَشَفْنا عَنْكَ غِطاءَكَ فَبَصَرُكَ الْيَوْمَ حَدِيدٌ » . . قوي لا يحجبه حجاب ، وهذا هو الموعد الذي غفلت عنه ، وهذا هو الموقف الذي لم تحسب حسابه ، وهذه هي النهاية التي كنت لا تتوقعها . فالآن فانظر . فبصرك اليوم حديد ! هنا يتقدم قرينه . والأرجح أنه الشهيد الذي يحمل سجل حياته : « وَقالَ قَرِينُهُ هذا ما لَدَيَّ عَتِيدٌ » . . حاضر مهيأ معد . لا يحتاج إلى تهيئة أو إعداد ! ولا يذكر السياق شيئا عن مراجعة هذا السجل تعجيلا بتوقيع الحكم وتنفيذه . إنما يذكر مباشرة النطق العلوي الكريم ، للملكين الحافظين : السائق والشهيد : « أَلْقِيا فِي جَهَنَّمَ كُلَّ كَفَّارٍ عَنِيدٍ . مَنَّاعٍ لِلْخَيْرِ مُعْتَدٍ
--> ( 1 ) رواه الترمذي .