سيد قطب
3362
في ظلال القرآن
بِظَلَّامٍ لِلْعَبِيدِ . يَوْمَ نَقُولُ لِجَهَنَّمَ : هَلِ امْتَلَأْتِ ؟ وَتَقُولُ : هَلْ مِنْ مَزِيدٍ ؟ وَأُزْلِفَتِ الْجَنَّةُ لِلْمُتَّقِينَ غَيْرَ بَعِيدٍ . هذا ما تُوعَدُونَ لِكُلِّ أَوَّابٍ حَفِيظٍ . مَنْ خَشِيَ الرَّحْمنَ بِالْغَيْبِ وَجاءَ بِقَلْبٍ مُنِيبٍ . ادْخُلُوها بِسَلامٍ ، ذلِكَ يَوْمُ الْخُلُودِ ، لَهُمْ ما يَشاؤُنَ فِيها وَلَدَيْنا مَزِيدٌ » . . وهذا هو المقطع الثاني في السورة : استطراد مع قضية البعث ، التي عالجها الشوط الأول ؛ وعلاج للقلوب المكذبة بلمسات جديدة ، ولكنها رهيبة مخيفة . إنها تلك الرقابة التي تحدثنا عنها في تقديم السورة . ومشاهدها التي تمثلها وتشخصها . ثم مشهد الموت وسكراته . ثم مشهد الحساب وعرض السجلات . ثم مشهد جهنم فاغرة فاها تتلمظ كلما ألقي فيها وقودها البشري تقول : « هَلْ مِنْ مَزِيدٍ ؟ » . وإلى جواره مشهد الجنة والنعيم والتكريم . إنها رحلة واحدة تبدأ من الميلاد ، وتمر بالموت ، وتنتهي بالبعث والحساب . رحلة واحدة متصلة بلا توقف ؛ ترسم للقلب البشري طريقه الوحيد الذي لا فكاك عنه ولا محيد ؛ وهو من أول الطريق إلى آخره في قبضة اللّه لا يتملص ولا يتفلت ، وتحت رقابته التي لا تفتر ولا تغفل . وإنها لرحلة رهيبة تملأ الحس روعة ورهبة . وكيف بإنسان في قبضة الجبار ، المطلع على ذات الصدور ؟ وكيف بإنسان طالبه هو الواحد الديان ، الذي لا ينسى ولا يغفل ولا ينام ! إنه ليرجف ويضطرب ويفقد توازنه وتماسكه ، حين يشعر أن السلطان في الأرض يتتبعه بجواسيسه وعيونه ، ويراقبه في حركته وسكونه . وسلطان الأرض مهما تكن عيونه لا يراقب إلا الحركة الظاهرة . وهو يحتمي منه إذا آوى إلى داره ، وإذا أغلق عليه بابه ، أو إذا أغلق فمه ! أما قبضة الجبار فهي مسلطة عليه أينما حل وأينما سار . وأما رقابة اللّه فهي مسلطة على الضمائر والأسرار . . فكيف ؟ كيف بهذا الإنسان في هذه القبضة وتحت هذه الرقابة ؟ ! « وَلَقَدْ خَلَقْنَا الْإِنْسانَ ، وَنَعْلَمُ ما تُوَسْوِسُ بِهِ نَفْسُهُ ، وَنَحْنُ أَقْرَبُ إِلَيْهِ مِنْ حَبْلِ الْوَرِيدِ . إِذْ يَتَلَقَّى الْمُتَلَقِّيانِ عَنِ الْيَمِينِ وَعَنِ الشِّمالِ قَعِيدٌ . ما يَلْفِظُ مِنْ قَوْلٍ إِلَّا لَدَيْهِ رَقِيبٌ عَتِيدٌ » . . إن ابتداء الآية : « وَلَقَدْ خَلَقْنَا الْإِنْسانَ » . . يشير إلى المقتضى الضمني للعبارة . فصانع الآلة أدرى بتركيبها وأسرارها . وهو ليس بخالقها لأنه لم ينشئ مادتها ، ولم يزد على تشكيلها وتركيبها . فكيف بالمنشئ الموجد الخالق ؟ إن الإنسان خارج من يد اللّه أصلا ؛ فهو مكشوف الكنه والوصف والسر لخالقه العليم بمصدره ومنشئه وحاله ومصيره . . « وَنَعْلَمُ ما تُوَسْوِسُ بِهِ نَفْسُهُ » . . وهكذا يجد الإنسان نفسه مكشوفة لا يحجبها ستر ، وكل ما فيها من وساوس خافتة وخافية معلوم للّه ، تمهيدا ليوم الحساب الذي ينكره ويجحده ! « وَنَحْنُ أَقْرَبُ إِلَيْهِ مِنْ حَبْلِ الْوَرِيدِ » . . الوريد الذي يجري فيه دمه . وهو تعبير يمثل ويصور القبضة المالكة ، والرقابة المباشرة . وحين يتصور الإنسان هذه الحقيقة لا بد يرتعش ويحاسب . ولو استحضر القلب مدلول هذه العبارة وحدها ما جرؤ على كلمة لا يرضى اللّه عنها . بل ما جرؤ على هاجسة في الضمير لا تنال القبول . وإنها وحدها لكافية ليعيش بها الإنسان في حذر دائم وخشية دائمة ويقظة لا تغفل عن المحاسبة .