سيد قطب

3360

في ظلال القرآن

التي يقيمها القرآن بين المعرفة والعلم وبين الإنسان الذي يعرف ويعلم . وهي التي تهملها مناهج البحث التي يسمونها « علمية » في هذا الزمان . فتقطع ما وصل اللّه من وشيجة بين الناس والكون الذي يعيشون فيه . فالناس قطعة من هذا الكون لا تصح حياتهم ولا تستقيم إلا حين تنبض قلوبهم على نبض هذا الكون ؛ وإلا حين تقوم الصلة وثيقة بين قلوبهم وإيقاعات هذا الكون الكبير . وكل معرفة بنجم من النجوم ، أو فلك من الأفلاك ، أو خاصة من خواص النبات والحيوان ، أو خواص الكون كله على وجه الإجمال وما فيه من عوالم حية وجامدة - إذا كانت هناك عوالم جامدة أو شيء واحد جامد في هذا الوجود ! - كل معرفة « علمية » يجب أن تستحيل في الحال إلى إيقاع في القلب البشري ، وإلى ألفة مؤنسة بهذا الكون ، وإلى تعارف يوثق أواصر الصداقة بين الناس والأشياء والأحياء . وإلى شعور بالوحدة التي تنتهي إلى خالق هذا الكون وما فيه ومن فيه . . وكل معرفة أو علم أو بحث يقف دون هذه الغاية الحية الموجهة المؤثرة في حياة البشر ، هي معرفة ناقصة ، أو علم زائف ، أو بحث عقيم ! إن هذا الكون هو كتاب الحق المفتوح ، الذي يقرأ بكل لغة ، ويدرك بكل وسيلة ؛ ويستطيع أن يطالعه الساذج ساكن الخيمة والكوخ ، والمتحضر ساكن العمائر والقصور . كل يطالعه بقدر إدراكه واستعداده ، فيجد فيه زادا من الحق ، حين يطالعه بشعور التطلع إلى الحق . وهو قائم مفتوح في كل آن : « تَبْصِرَةً وَذِكْرى لِكُلِّ عَبْدٍ مُنِيبٍ » . . ولكن العلم الحديث يطمس هذه التبصرة أو يقطع تلك الوشيجة بين القلب البشري والكون الناطق المبين . لأنه في رؤوس مطموسة رانت عليها خرافة « المنهج العلمي » . المنهج الذي يقطع ما بين الكون والخلائق التي تعيش فيه ! والمنهج الإيماني لا ينقص شيئا من ثمار « المنهج العلمي » في إدراك الحقائق المفردة . ولكنه يزيد عليه ربط هذه الحقائق المفردة بعضها ببعض ، وردها إلى الحقائق الكبرى ، ووصل القلب البشري بها ، أي وصله بنواميس الكون وحقائق الوجود ، وتحويل هذه النواميس والحقائق إلى إيقاعات مؤثرة في مشاعر الناس وحياتهم ؛ لا معلومات جامدة جافة متحيزة في الأذهان لا تفضي لها بشيء من سرها الجميل ! والمنهج الإيماني هو الذي يجب أن تكون له الكرة في مجال البحوث والدراسات ليربط الحقائق العلمية التي يهتدي إليها بهذا الرباط الوثيق . . وبعد هذه اللفتة يمضي في عرض صفحات الحق في كتاب الكون - في طريقه إلى قضية الإحياء والبعث : « وَنَزَّلْنا مِنَ السَّماءِ ماءً مُبارَكاً ، فَأَنْبَتْنا بِهِ جَنَّاتٍ وَحَبَّ الْحَصِيدِ ، وَالنَّخْلَ باسِقاتٍ لَها طَلْعٌ نَضِيدٌ . رِزْقاً لِلْعِبادِ وَأَحْيَيْنا بِهِ بَلْدَةً مَيْتاً . كَذلِكَ الْخُرُوجُ » . . والماء النازل من السماء آية تحيي موات القلوب قبل أن تحيي موات الأرض . ومشهده ذو أثر خاص في القلب لا شك فيه . وليس الأطفال وحدهم هم الذين يفرحون بالمطر ويطيرون له خفافا . فقلوب الكبار الحساسين تستروح هذا المشهد وتصفق له كقلوب الأطفال الأبرياء ، القريبي العهد بالفطرة ! ويصف الماء هنا بالبركة ، ويجعله في يد اللّه سببا لإنبات جنات الفاكهة وحب الحصيد - وهو النبات المحصود - ومما ينبته به النخل . ويصفها بالسموق والجمال : « وَالنَّخْلَ باسِقاتٍ لَها طَلْعٌ نَضِيدٌ » . . وزيادة هذا الوصف للطلع مقصودة لإبراز جمال الطلع المنضد في النخل الباسق . وذلك تمشيا مع جو الحق وظلاله . الحق السامق الجميل . ويلمس القلوب وهو يمتن عليها بالماء والجنات والحب والنخل والطلع : « رِزْقاً لِلْعِبادِ » . . رزقا يسوق اللّه سببه ، ويتولى نبته ، ويطلع ثمره ، للعباد ، وهو المولى ، وهم لا يقدرون ولا يشكرون !