سيد قطب
3254
في ظلال القرآن
وعادوا ينذرون قومهم ويحذرونهم ويدعونهم إلى الإيمان : « يا قَوْمَنا أَجِيبُوا داعِيَ اللَّهِ وَآمِنُوا بِهِ ، يَغْفِرْ لَكُمْ مِنْ ذُنُوبِكُمْ ، وَيُجِرْكُمْ مِنْ عَذابٍ أَلِيمٍ . وَمَنْ لا يُجِبْ داعِيَ اللَّهِ فَلَيْسَ بِمُعْجِزٍ فِي الْأَرْضِ ، وَلَيْسَ لَهُ مِنْ دُونِهِ أَوْلِياءُ ، أُولئِكَ فِي ضَلالٍ مُبِينٍ » . . وتتضمن مقالة النفر من الجن الإشارة إلى كتاب الكون المفتوح الناطق بقدرة اللّه على البدء والإعادة : « أَ وَلَمْ يَرَوْا أَنَّ اللَّهَ الَّذِي خَلَقَ السَّماواتِ وَالْأَرْضَ وَلَمْ يَعْيَ بِخَلْقِهِنَّ بِقادِرٍ عَلى أَنْ يُحْيِيَ الْمَوْتى ؟ بَلى إِنَّهُ عَلى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ » . . وهنا يلمس قلوبهم بمشهد الذين كفروا يوم يعرضون على النار ، فيقرون بما كانوا ينكرون ، ولكن حيث لا مجال لإقرار أو يقين ! وتختم السورة بتوجيه الرسول - صلى اللّه عليه وسلم - إلى الصبر وعدم الاستعجال لهم بالعذاب ، فإنما هو أجل قصير يمهلونه ، ثم يأتيهم العذاب والهلاك : « فَاصْبِرْ كَما صَبَرَ أُولُوا الْعَزْمِ مِنَ الرُّسُلِ وَلا تَسْتَعْجِلْ لَهُمْ ، كَأَنَّهُمْ يَوْمَ يَرَوْنَ ما يُوعَدُونَ لَمْ يَلْبَثُوا إِلَّا ساعَةً مِنْ نَهارٍ . بَلاغٌ . فَهَلْ يُهْلَكُ إِلَّا الْقَوْمُ الْفاسِقُونَ ؟ » . . والآن نأخذ في تفصيل هذه الأشواط . . « حم . تَنْزِيلُ الْكِتابِ مِنَ اللَّهِ الْعَزِيزِ الْحَكِيمِ . ما خَلَقْنَا السَّماواتِ وَالْأَرْضَ وَما بَيْنَهُما إِلَّا بِالْحَقِّ وَأَجَلٍ مُسَمًّى ، وَالَّذِينَ كَفَرُوا عَمَّا أُنْذِرُوا مُعْرِضُونَ » . . هذا هو الإيقاع الأول في مطلع السورة ؛ وهو يلمس العلاقة بين الأحرف العربية التي يتداولها كلامهم ، والكتاب المصوغ من جنس هذه الأحرف على غير مثال من كلام البشر ، وشهادة هذه الظاهرة بأنه تنزيل من اللّه العزيز الحكيم . كما يلمس العلاقة بين كتاب اللّه المتلو المنزل من عنده ، وكتاب اللّه المنظور المصنوع بيده . كتاب هذا الكون الذي تراه العيون ، وتقرؤه القلوب . وكلا الكتابين قائم على الحق وعلى التدبير . فتنزيل الكتاب « مِنَ اللَّهِ الْعَزِيزِ الْحَكِيمِ » هو مظهر للقدرة وموضع للحكمة . وخلق السماوات والأرض وما بينهما متلبس بالحق : « ما خَلَقْنَا السَّماواتِ وَالْأَرْضَ وَما بَيْنَهُما إِلَّا بِالْحَقِّ » . . وبالتقدير الدقيق : « وَأَجَلٍ مُسَمًّى » تتحقق فيه حكمة اللّه من خلقه ، ويتم فيه ما قدره له من غاية . وكلا الكتابين مفتوح ، معروض على الأسماع والأنظار ، ينطق بقدرة اللّه ، ويشهد بحكمته ، ويشي بتدبيره وتقديره ، ويدل كتاب الكون على صدق الكتاب المتلو ، وما فيه من إنذار وتبشير . . « وَالَّذِينَ كَفَرُوا عَمَّا أُنْذِرُوا مُعْرِضُونَ » . . وهذا هو العجب المستنكر في ظل تلك الإشارة إلى الكتاب المنزل والكتاب المنظور ! والكتاب المنزل المتلو يقرر أن اللّه واحد لا يتعدد ، وأنه رب كل شيء ، بما أنه خالق كل شيء ، ومدبر كل شيء ، ومقدر كل شيء . وكتاب الكون الحي ينطق بهذه الحقيقة ذاتها ؛ فنظامه وتنسيقه وتناسقه كلها تشهد بوحدانية الصانع المقدر المدبر ، الذي يصنع على علم ، ويبدع على معرفة ، وطابع الصنعة واحد في كل ما يصنع وما يبدع . فأنى يتخذ الناس آلهة من دونه ؟ وما ذا صنع هؤلاء الآلهة وما ذا أبدعوا ؟ وهذا هو الكون قائما معروضا على الأنظار والقلوب ؛ فما ذا لهم فيه ؟ وأي قسم من أقسامه أنشئوه ؟ « قُلْ : أَ رَأَيْتُمْ ما تَدْعُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ ؟ أَرُونِي ما ذا خَلَقُوا مِنَ الْأَرْضِ ؟ أَمْ لَهُمْ شِرْكٌ فِي السَّماواتِ ؟ ائْتُونِي بِكِتابٍ مِنْ قَبْلِ هذا ، أَوْ أَثارَةٍ مِنْ عِلْمٍ ، إِنْ كُنْتُمْ صادِقِينَ » . . وهذا تلقين من اللّه سبحانه لرسوله ، صلى اللّه عليه وسلم ، ليواجه القوم بشهادة كتاب الكون المفتوح . الكتاب