سيد قطب

2630

في ظلال القرآن

« إِلَّا مَنْ ظَلَمَ ثُمَّ بَدَّلَ حُسْناً بَعْدَ سُوءٍ . فَإِنِّي غَفُورٌ رَحِيمٌ » . . إنما يخاف الذين ظلموا . ذلك إلا أن يبدلوا حسنا بعد سوء ، ويدعوا الظلم إلى العدل ؛ ويدعوا الشرك إلى الإيمان ، ويدعوا الشر إلى الخير . فإن رحمتي واسعة وغفراني عظيم . والآن وقد اطمأن موسى وقر ، يجهزه ربه بالمعجزة الثانية ، قبل أن يكشف له عن جهة الرسالة ووجهة التكليف : « وَأَدْخِلْ يَدَكَ فِي جَيْبِكَ تَخْرُجْ بَيْضاءَ مِنْ غَيْرِ سُوءٍ » . . وكان هذا . وأدخل موسى يده في فتحة ثوبه - وهي جيبه - فخرجت بيضاء مشرقة لا عن مرض ، ولكن عن معجزة . ووعده ربه أن يؤيده بتسع آيات من هذا النوع الذي شاهد منه اثنتين ؛ وكشف له حينئذ عن وجهته التي من أجلها دعاه وجهزه ورعاه ! « فِي تِسْعِ آياتٍ إِلى فِرْعَوْنَ وَقَوْمِهِ . إِنَّهُمْ كانُوا قَوْماً فاسِقِينَ » . . ولم يعدد هنا بقية هذه الآيات التسع ، التي كشف عنها في سورة الأعراف . وهي سنوان الجدب ، ونقص الثمرات ، والطوفان ، والجراد ، والقمل ، والضفادع ، والدم . لأن التركيز هنا على قوة الآيات لا على ماهيتها . وعلى وضوحها وجحود القوم لها : « فَلَمَّا جاءَتْهُمْ آياتُنا مُبْصِرَةً قالُوا : هذا سِحْرٌ مُبِينٌ . وَجَحَدُوا بِها وَاسْتَيْقَنَتْها أَنْفُسُهُمْ ظُلْماً وَعُلُوًّا . فَانْظُرْ كَيْفَ كانَ عاقِبَةُ الْمُفْسِدِينَ » . . هذه الآيات الكثيرة العدد ، الكاشفة عن الحق ، حتى ليبصره كل من له عينان . ويصف هذه الآيات نفسها بأنها مبصرة ، فهي تبصر الناس وتقودهم إلى الهدى . ومع هذا فقد قالوا عنها : إنها سحر مبين ! قالوا ذلك لا عن اقتناع به ، ولا عن شبهة فيه . إنما قالوه « ظلما وعلوا » وقد استيقنت نفوسهم أنها الحق الذي لا شبهة فيه : « وَاسْتَيْقَنَتْها أَنْفُسُهُمْ » . قالوا جحودا ومكابرة ، لأنهم لا يريدون الإيمان ، ولا يطلبون البرهان . استعلاء على الحق وظلما له ولأنفسهم بهذا الاستعلاء الذميم . وكذلك كان كبراء قريش يستقبلون القرآن ، ويستيقنون أنه الحق ، ولكنهم يجحدونه ، ويجحدون دعوة النبي - صلّى اللّه عليه وسلّم - إياهم إلى اللّه الواحد . ذلك أنهم كانوا يريدون الإبقاء على ديانتهم وعقائدهم ، لما وراءها من أوضاع تسندهم ، ومغانم تتوافد عليهم . وهي تقوم على تلك العقائد الباطلة ، التي يحسون خطر الدعوة الإسلامية عليها ، ويحسونها تتزلزل تحت أقدامهم ، وترتج في ضمائرهم . ومطارق الحق المبين تدمغ الباطل الواهي المريب ! وكذلك الحق لا يجحده الجاحدون لأنهم لا يعرفونه . بل لأنهم يعرفونه ! يجحدونه وقد استيقنته نفوسهم ، لأنهم يحسون الخطر فيه على وجودهم ، أو الخطر على أوضاعهم ، أو الخطر على مصالحهم ومغانمهم . فيقفون في وجهه مكابرين ، وهو واضح مبين . « فَانْظُرْ كَيْفَ كانَ عاقِبَةُ الْمُفْسِدِينَ » . . وعاقبة فرعون وقومه معروفة ، كشف عنها القرآن في مواضع أخرى . إنما يشير إليها هنا هذه الإشارة ، لعلها توقظ الغافلين من الجاحدين بالحق المكابرين فيه ، إلى عاقبة فرعون وقومه قبل أن يأخذهم ما أخذ المفسدين .