سيد قطب
2620
في ظلال القرآن
من النار . يا فاطمة بنت محمد أنقذي نفسك من النار . فإنّي واللّه لا أملك لكم من اللّه شيئا . إلا أن لكم رحيما سأبلها ببلالها » . . فهذه الأحاديث وغيرها تبين كيف تلقى رسول اللّه - صلّى اللّه عليه وسلّم - الأمر ، وكيف أبلغه لعشيرته الأقربين ، ونفض يده من أمرهم ، ووكلهم إلى ربهم في أمر الآخرة ، وبين لهم أن قرابتهم له لا تنفعهم شيئا إذا لم ينفعهم عملهم ، وأنه لا يملك لهم من اللّه شيئا ، وهو رسول اللّه . . وهذا هو الإسلام في نصاعته ووضوحه ، ونفي الوساطة بين اللّه وعباده حتى عن رسوله الكريم . كذلك بين اللّه لرسوله كيف يعامل المؤمنين الذين يستجيبون لدعوة اللّه على يديه : « وَاخْفِضْ جَناحَكَ لِمَنِ اتَّبَعَكَ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ » . . فهو اللين والتواضع والرفق في صورة حسية مجسمة . صورة خفض الجناح ، كما يخفض الطائر جناحيه حين يهم بالهبوط . وكذلك كان رسول اللّه - صلّى اللّه عليه وسلّم - مع المؤمنين طوال حياته . فقد كان خلقه القرآن . وكان هو الترجمة الحية الكاملة للقرآن الكريم . وكذلك بين اللّه له كيف يعامل العصاة فيكلهم إلى ربهم ، ويبرأ مما يعملون : « فَإِنْ عَصَوْكَ فَقُلْ : إِنِّي بَرِيءٌ مِمَّا تَعْمَلُونَ » . . وكان هذا في مكة ، قبل أن يؤمر الرسول - صلّى اللّه عليه وسلّم - بقتال المشركين . ثم يتوجه به - صلّى اللّه عليه وسلّم - إلى ربه ، يصله به صلة الرعاية الدائمة القريبة : « وَتَوَكَّلْ عَلَى الْعَزِيزِ الرَّحِيمِ . الَّذِي يَراكَ حِينَ تَقُومُ . وَتَقَلُّبَكَ فِي السَّاجِدِينَ . إِنَّهُ هُوَ السَّمِيعُ الْعَلِيمُ » . دعهم وعصيانهم ، متبرئا من أعمالهم ، وتوجه إلى ربك معتمدا عليه ، مستعينا في أمرك كله به . ويصفه - سبحانه - بالصفتين المكررتين في هذه السورة : العزة والرحمة . ثم يشعر قلب الرسول - صلّى اللّه عليه وسلّم - بالأنس والقربى . فربه يراه في قيامه وحده للصلاة ، ويراه في صفوف الجماعة الساجدة . يراه في وحدته ويراه في جماعة المصلين يتعهدهم وينظمهم ويؤمهم ويتنقل بينهم . يرى حركاته وسكناته ، ويسمع خطراته ودعواته : « إِنَّهُ هُوَ السَّمِيعُ الْعَلِيمُ » . . وفي التعبير على هذا النحو إيناس بالرعاية والقرب والملاحظة والعناية . وهكذا كان رسول اللّه - صلّى اللّه عليه وسلّم - يشعر أنه في كنف ربه ، وفي جواره وقربه . وفي جو هذا الأنس العلوي كان يعيش . . والجولة الأخيرة في السورة حول القرآن أيضا . ففي المرة الأولى أكد أنه تنزيل من رب العالمين . نزل به الروح الأمين . وفي المرة الثانية نفى أن تتنزل به الشياطين . أما في هذه المرة فيقرر أن الشياطين لا تتنزل على مثل محمد - صلّى اللّه عليه وسلّم - في أمانته وصدقه وصلاح منهجه ؛ إنما تتنزل على كل كذاب آثم ضال من الكهان الذين يتلقون إيحاءات الشياطين ويذيعونها مع التضخيم والتهويل : « هَلْ أُنَبِّئُكُمْ عَلى مَنْ تَنَزَّلُ الشَّياطِينُ ؟ تَنَزَّلُ عَلى كُلِّ أَفَّاكٍ أَثِيمٍ . يُلْقُونَ السَّمْعَ وَأَكْثَرُهُمْ كاذِبُونَ » . . وكان في العرب كهان يزعمون أن الجن تنقل إليهم الأخبار ، وكان الناس يلجئون إليهم ويركنون إلى نبوءاتهم . وأكثرهم كاذبون . والتصديق بهم جري وراء الأوهام والأكاذيب . وهم على أية حال لا يدعون إلى هدى ،