سيد قطب
2608
في ظلال القرآن
والأساطير ، التي تلبس ثوب الدين . ثم هم في النهاية يأنفون أن يسويهم التوحيد الخالص بالجماهير من الناس ، حيث تسقط القيم الزائفة كلها ، وترتفع قيمة واحدة . قيمة الإيمان والعمل الصالح . قيمة واحدة ترفع قوما وتخفض آخرين . بميزان واحد هو ميزان العقيدة والسلوك القويم . ومن ثم يجيبهم نوح الجواب الذي يقرر القيم الثابتة ؛ ويحدد اختصاص الرسول ، ويدع أمر الناس وحسابهم للّه على ما يعملون . « قالَ : وَما عِلْمِي بِما كانُوا يَعْمَلُونَ ؟ إِنْ حِسابُهُمْ إِلَّا عَلى رَبِّي لَوْ تَشْعُرُونَ . وَما أَنَا بِطارِدِ الْمُؤْمِنِينَ . إِنْ أَنَا إِلَّا نَذِيرٌ مُبِينٌ » . والكبراء يقولون دائما عن الفقراء : إن عاداتهم وأخلاقهم لا ترضي العلية ، ولا تطاق في أوساط الطبقة الراقية ذات الحس المرهف والذوق اللطيف ! فنوح يقول لهم : إنه لا يطلب إلى الناس شيئا سوى الإيمان . وقد آمنوا . فأما عملهم قبله فموكول إلى اللّه ، وهو الذي يزنه ويقدره . ويجزيهم على الحسنات والسيئات . وتقدير اللّه هو الصحيح « لَوْ تَشْعُرُونَ » بالقيم الحقة التي ترجح في ميزان اللّه . وما وظيفتي إلا الإنذار والإفصاح : « إِنْ أَنَا إِلَّا نَذِيرٌ مُبِينٌ » . فلما أن واجههم نوح - عليه السّلام - بحجته الواضحة ومنطقة المستقيم ؛ وعجزوا عن المضي في الجدل بالحجة والبرهان ، لجئوا إلى ما يلجأ إليه الطغيان كلما أعوزته الحجة ، وخذله البرهان . لجئوا إلى التهديد بالقوة المادية الغليظة التي يعتمد عليها الطغاة في كل زمان ومكان ، عندما تعوزهم الحجة ، ويعجزهم البرهان : « قالُوا : لَئِنْ لَمْ تَنْتَهِ يا نُوحُ لَتَكُونَنَّ مِنَ الْمَرْجُومِينَ » . . وأسفر الطغيان عن وجهه الكالح ، وكشف الضلال عن وسيلته الغليظة ، وعرف نوح أن القلوب الجاسية لن تلين هنا توجه نوح إلى الولي الوحيد ، والناصر الفريد ، الذي لا ملجأ سواه للمؤمنين : « قالَ : رَبِّ إِنَّ قَوْمِي كَذَّبُونِ . فَافْتَحْ بَيْنِي وَبَيْنَهُمْ فَتْحاً ، وَنَجِّنِي وَمَنْ مَعِيَ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ » . وربه يعلم أن قومه كذبوه . ولكنه البث والشكوى إلى الناصر المعين ، وطلب النصفة ، ورد الأمر إلى صاحب الأمر : « فَافْتَحْ بَيْنِي وَبَيْنَهُمْ فَتْحاً » يضع الحد الأخير للبغي والتكذيب : « وَنَجِّنِي وَمَنْ مَعِيَ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ » . . واستجاب اللّه لنبيه الذي يتهدده الطغيان بالرجم ، لأنه يدعو الناس إلى تقوى اللّه ، وطاعة رسوله ، لا يطلب على ذلك أجرا ، ولا يبتغي جاها ولا مالا : « فَأَنْجَيْناهُ وَمَنْ مَعَهُ فِي الْفُلْكِ الْمَشْحُونِ . ثُمَّ أَغْرَقْنا بَعْدُ الْباقِينَ » . . هكذا في إجمال سريع . يصور النهاية الأخيرة للمعركة بين الإيمان والطغيان في فجر البشرية . ويقرر مصير كل معركة تالية في تاريخ البشرية الطويل . ثم يجيء التعقيب المكرور في السورة عقب كل آية من آيات اللّه العزيز الرحيم : « إِنَّ فِي ذلِكَ لَآيَةً . وَما كانَ أَكْثَرُهُمْ مُؤْمِنِينَ . وَإِنَّ رَبَّكَ لَهُوَ الْعَزِيزُ الرَّحِيمُ » . .