سيد قطب

2597

في ظلال القرآن

هذه الصلة البعيدة ، وقلب الأمر فبدلا من أن يقول : إنه لتلميذكم قال : إنه لكبيركم . ليزيد الأمر ضخامة وتهويلا في أعين الجماهير ! ثم جعل يهدد بالعذاب الغليظ بعد التهويل فيما ينتظر المؤمنين : « فَلَسَوْفَ تَعْلَمُونَ . لَأُقَطِّعَنَّ أَيْدِيَكُمْ وَأَرْجُلَكُمْ مِنْ خِلافٍ وَلَأُصَلِّبَنَّكُمْ أَجْمَعِينَ » . . إنها الحماقة التي يرتكبها كل طاغية ، حينما يحس بالخطر على عرشه أو شخصه ، يرتكبها في عنف وغلظة وبشاعة ، بلا تحرج من قلب أو ضمير . . وإنها لكلمة فرعون الطاغية المتجبر الذي يملك تنفيذ ما يقول . . فما تكون كلمة الفئة المؤمنة التي رأت النور ! إنها كلمة القلب الذي وجد اللّه فلم يعد يحفل ما يفقد بعد هذا الوجدان . القلب الذي اتصل باللّه فذاق طعم العزة فلم يعد يحفل الطغيان . القلب الذي يرجو الآخرة فلا يهمه من أمر هذه الدنيا قليل ولا كثير : « قالُوا : لا ضَيْرَ . إِنَّا إِلى رَبِّنا مُنْقَلِبُونَ . إِنَّا نَطْمَعُ أَنْ يَغْفِرَ لَنا رَبُّنا خَطايانا أَنْ كُنَّا أَوَّلَ الْمُؤْمِنِينَ » . . لا ضير . لا ضير في تقطيع الأيدي والأرجل من خلاف « 1 » . لا ضير في التصليب والعذاب . لا ضير في الموت والاستشهاد . . لا ضير إنا إلى ربنا منقلبون . وليكن في هذه الأرض ما يكون : فالمطمع الذي نتعلق به ونرجوه « أن يغفر لنا ربنا خطايانا » جزاء « أن كنا أول المؤمنين » . . وأن كنا نحن السابقين . . يا للّه ! يا لروعة الإيمان إذ يشرق في الضمائر . وإذ يفيض على الأرواح . وإذ يكسب الطمأنينة في النفوس . وإذ يرتفع بسلالة الطين إلى أعلى عليين . وإذ يملأ القلوب بالغنى والذخر والوفر ، فإذا كل ما في الأرض تافه حقير زهيد . هنا يسدل السياق الستار على هذه الروعة الغامرة . لا يزيد شيئا . ليبقى للمشهد جلاله الباهر وإيقاعه العميق . وهو يربي به النفوس في مكة وهي تواجه الأذى والكرب والضيق ويربي به كل صاحب عقيدة يواجه بها الطغيان والعسف والتعذيب . فأما بعد ذلك فاللّه يتولى عباده المؤمنين . وفرعون يتآمر ويجمع جنوده أجمعين : « وَأَوْحَيْنا إِلى مُوسى أَنْ أَسْرِ بِعِبادِي إِنَّكُمْ مُتَّبَعُونَ . . فَأَرْسَلَ فِرْعَوْنُ فِي الْمَدائِنِ حاشِرِينَ . إِنَّ هؤُلاءِ لَشِرْذِمَةٌ قَلِيلُونَ . وَإِنَّهُمْ لَنا لَغائِظُونَ . وَإِنَّا لَجَمِيعٌ حاذِرُونَ » . . وهنا فجوة في الوقائع والزمن لا تذكر في هذا الموضع . فقد عاش موسى وبنو إسرائيل فترة بعد المباراة ، وقعت فيها الآيات الأخرى المذكورة في سورة الأعراف « 2 » قبل أن يوحي اللّه لموسى بالرحيل بقومه . ولكن السياق هنا يطويها ليصل إلى النهاية المناسبة لموضوع السورة واتجاهها الأصيل . لقد أوحى اللّه إلى موسى إذن أن يسري بعباده ، وأن يرحل بهم ليلا ، بعد تدبير وتنظيم . ونبأه أن فرعون سيتبعهم بجنده ؛ وأمره أن يقود قومه إلى ساحل البحر ( وهو في الغالب عند التقاء خليج السويس بمنطقة البحيرات ) وعلم فرعون بخروج بني إسرائيل خلسة ، فأمر بما يسمى « التعبئة العامة » وأرسل في المدائن حاشرين يجمعون له الجنود ، ليدرك موسى وقومه ؛ ويفسد عليهم تدبيرهم ؛ وهو لا يعلم أنه تدبير صاحب التدبير ! وانطلق عملاء فرعون يجمعون الجند . . ولكن هذا الجمع قد يشي بانزعاج فرعون ، وبقوة موسى ومن معه

--> ( 1 ) اليد اليمنى مع الرجل اليسرى ، واليد اليسرى مع الرجل اليمنى . ( 2 ) الجزء التاسع من الظلال ص 1356 - 1359 .