سيد قطب

2591

في ظلال القرآن

قالَ : فَعَلْتُها إِذاً وَأَنَا مِنَ الضَّالِّينَ . فَفَرَرْتُ مِنْكُمْ لَمَّا خِفْتُكُمْ ، فَوَهَبَ لِي رَبِّي حُكْماً وَجَعَلَنِي مِنَ الْمُرْسَلِينَ . وَتِلْكَ نِعْمَةٌ تَمُنُّها عَلَيَّ أَنْ عَبَّدْتَ بَنِي إِسْرائِيلَ » . ويعجب فرعون وهو يرى موسى يواجهه بهذه الدعوى الضخمة : « إِنَّا رَسُولُ رَبِّ الْعالَمِينَ » . ويطلب إليه ذلك الطلب الضخم ! « أَنْ أَرْسِلْ مَعَنا بَنِي إِسْرائِيلَ » . فإن آخر عهده بموسى أنه كان ربيبا في قصره منذ أن التقطوا تابوته « 1 » . وأنه هرب بعد قتله للقبطي الذي وجده يتعارك مع الإسرائيلي « 2 » . وقيل : إن هذا القبطي كان من حاشية فرعون . فما أبعد المسافة بين آخر عهد فرعون بموسى إذن وهذه الدعوى الضخمة التي يواجهه بها بعد عشر سنين ! ومن ثم بدأ فرعون متهكما مستهزئا مستعجبا : « قالَ : أَ لَمْ نُرَبِّكَ فِينا وَلِيداً ، وَلَبِثْتَ فِينا مِنْ عُمُرِكَ سِنِينَ ؟ وَفَعَلْتَ فَعْلَتَكَ الَّتِي فَعَلْتَ ، وَأَنْتَ مِنَ الْكافِرِينَ » . . فهل هذا جزاء التربية والكرامة التي لقيتها عندنا وأنت وليد ؟ أن تأتي اليوم لتخالف ما نحن عليه من ديانة ؟ ولتخرج على الملك الذي نشأت في بيته ، وتدعو إلى إله غيره ؟ ! وما بالك - وقد لبثت فينا من عمرك سنين - لم تتحدث بشيء عن هذه الدعوى التي تدعيها اليوم ؛ ولم تخطرنا بمقدمات هذا الأمر العظيم ؟ ! ويذكره بحادث مقتل القبطي في تهويل وتجسيم : « وَفَعَلْتَ فَعْلَتَكَ الَّتِي فَعَلْتَ » . . فعلتك البشعة الشنيعة التي لا يليق الحديث عنها بالألفاظ المفتوحة ! فعلتها « وَأَنْتَ مِنَ الْكافِرِينَ » برب العالمين الذي تقول به اليوم ، فإنك لم تكن وقتها تتحدث عن رب العالمين ! وهكذا جمع فرعون كل ما حسبه ردا قاتلا لا يملك موسى - عليه السّلام - معه جوابا ، ولا يستطيع مقاومة . وبخاصة حكاية القتل ، وما يمكن أن يعقبها من قصاص ، يتهدده به من وراء الكلمات ! ولكن موسى وقد استجاب اللّه دعاءه فأزال حبسة لسانه - انطلق - يجيب : « قالَ : فَعَلْتُها إِذاً وَأَنَا مِنَ الضَّالِّينَ . فَفَرَرْتُ مِنْكُمْ لَمَّا خِفْتُكُمْ ، فَوَهَبَ لِي رَبِّي حُكْماً وَجَعَلَنِي مِنَ الْمُرْسَلِينَ . وَتِلْكَ نِعْمَةٌ تَمُنُّها عَلَيَّ أَنْ عَبَّدْتَ بَنِي إِسْرائِيلَ » ! . . فعلت تلك الفعلة وأنا بعد جاهل ، أندفع اندفاع العصبية لقومي ، لا اندفاع العقيدة التي عرفتها اليوم بما أعطاني ربي من الحكمة . « فَفَرَرْتُ مِنْكُمْ لَمَّا خِفْتُكُمْ » على نفسي . فقسم اللّه لي الخير : ووهب لي الحكمة « وَجَعَلَنِي مِنَ الْمُرْسَلِينَ » فلست بدعا من الأمر ، إنما أنا واحد من الرعيل « مِنَ الْمُرْسَلِينَ » « 3 » . ثم يجيبه تهكما بتهكم . ولكن بالحق « وَتِلْكَ نِعْمَةٌ تَمُنُّها عَلَيَّ أَنْ عَبَّدْتَ بَنِي إِسْرائِيلَ » . . فما كانت تربيتي في بيتك وليدا إلا من جراء استعبادك لبني إسرائيل ، وقتلك أبناءهم ، مما اضطر أمي أن تلقيني في التابوت ، فتقذف بالتابوت في الماء ، فتلتقطونني ، فأربى في بيتك ، لا في بيت أبويّ . فهل هذا هو ما تمنه علي ، وهل هذا هو فضلك العظيم ؟ !

--> ( 1 ) سورة طه . الجزء السادس عشر من الظلال . ( 2 ) سورة القصص . ( 3 ) يلاحظ من ناحية التنسيق الفني في التعبير أن حرف الفاصلة في السورة هو الميم أو النون وقبلها مد . فقوله : من المرسلين . يتمشى موسيقيا مع الإيقاع السائد في السورة . بعكس ما لو قيل : وجعلني رسولا . ولكنه مع هذا يؤدي معنى مقصودا . وهو أنه واحد من كثيرين وأن الأمر ليس بفذ ولا عجيب . وهكذا يجتمع التناسق الفني والديني في التعبير .