سيد قطب

2577

في ظلال القرآن

هذا الشوط الأخير في السورة يبرز فيه « عِبادُ الرَّحْمنِ » بصفاتهم المميزة ، ومقوماتهم الخاصة ؛ وكأنما هم خلاصة البشرية في نهاية المعركة الطويلة بين الهدى والضلال . بين البشرية الجاحدة المشاقة والرسل الذين يحملون الهدى لهذه البشرية . وكأنما هم الثمرة الجنية لذلك الجهاد الشاق الطويل ، والعزاء المريح لحملة الهدى فيما لاقوه من جحود وصلادة وإعراض ! . وقد سبق في الدرس الماضي تجاهل المشركين واستنكارهم لاسم « الرَّحْمنُ » فها هم أولاء عباد الرحمن ، الذين يعرفون الرحمن ، ويستحقون أن ينسبوا إليه ، وأن يكونوا عباده . ها هم أولاء بصفاتهم المميزة ومقومات نفوسهم وسلوكهم وحياتهم . ها هم أولاء مثلا حية واقعية للجماعة التي يريدها الإسلام ، وللنفوس التي ينشئها بمنهجه التربوي القويم . وهؤلاء هم الذين يستحقون أن يعبأ بهم اللّه في الأرض ، ويوجه إليهم عنايته ؛ فالبشر كلهم أهون على اللّه من أن يعبأ بهم ، لولا أن هؤلاء فيهم ، ولولا أن هؤلاء يتوجهون إليه بالتضرع والدعاء . « وَعِبادُ الرَّحْمنِ الَّذِينَ يَمْشُونَ عَلَى الْأَرْضِ هَوْناً وَإِذا خاطَبَهُمُ الْجاهِلُونَ قالُوا : سَلاماً » . . ها هي ذي السمة الأولى من سمات عباد الرحمن : أنهم يمشون على الأرض مشية سهلة هينة ، ليس فيها تكلف ولا تصنع ، وليس فيها خيلاء ولا تنفج ، ولا تصعير خد ولا تخلع أو ترهل . فالمشية ككل حركة تعبير عن الشخصية ، وعما يستكن فيها من مشاعر . والنفس السوية المطمئنة الجادة القاصدة ، تخلع صفاتها هذه على مشية صاحبها ، فيمشي مشية سوية مطمئنة جادة قاصدة . فيها وقار وسكينة ، وفيها جد وقوة . وليس معنى : « يَمْشُونَ عَلَى الْأَرْضِ هَوْناً » أنهم يمشون متماوتين منكسي الرؤوس ، متداعي الأركان ، متهاوي البنيان ؛ كما يفهم بعض الناس ممن يريدون إظهار التقوى والصلاح ! وهذا رسول اللّه - صلّى اللّه عليه وسلّم - كان إذا مشى تكفأ تكفيا ، وكان أسرع الناس مشية ، وأحسنها وأسكنها ، قال أبو هريرة : ما رأيت شيئا أحسن من رسول اللّه - صلّى اللّه عليه وسلّم - كأن الشمس تجري في وجهه ، وما رأيت أحدا أسرع في مشيته من رسول اللّه - صلّى اللّه عليه وسلّم - كأنما الأرض تطوى له - وإنا لنجهد أنفسنا وإنه لغير مكترث . وقال علي بن أبي طالب - رضي اللّه عنه - كان رسول اللّه - صلّى اللّه عليه وسلّم - إذا مشى تكفأ تكفيا كأنما ينحط من صبب . وقال مرة إذا تقلع - قلت والتقلع الارتفاع من الأرض بجملته كحال المنحط من الصبب ، وهي مشية أولي العزم والهمة والشجاعة « 1 » .

--> ( 1 ) عن زاد المعاد في هدى خير العباد لشمس الدين أبي عبد اللّه محمد ابن قيم الجوزية .