سيد قطب
2885
في ظلال القرآن
وهذا القمر . وهذه النجوم والكواكب . وهذه الرياح والسحب . وهذا الهواء وهذا الماء . . وهذه الجبال . وهذه الوهاد . . كلها . . كلها . . تمضي لشأنها ، بإذن ربها ، وتعرف بارئها ، وتخضع لمشيئته بلا جهد منها ولا كد ولا محاولة . لقد أشفقت من أمانة التبعة . أمانة الإرادة . أمانة المعرفة الذاتية ، أمانة المحاولة الخاصة . « وحملها الإنسان » . الإنسان الذي يعرف اللّه بإدراكه وشعوره . ويهتدي إلى ناموسه بتدبره وبصره . ويعمل وفق هذا الناموس بمحاولته وجهده . ويطيع اللّه بإرادته وحمله لنفسه ، ومقاومة انحرافاته ونزغاته ، ومجاهدة ميوله وشهواته . . وهو في كل خطوة من هذه الخطوات مريد . مدرك . يختار طريقه وهو عارف إلى أين يؤدي به هذا الطريق ! إنها أمانة ضخمة حملها هذا المخلوق الصغير الحجم ، القليل القوة ، الضعيف الحول ، المحدود العمر ؛ الذي تناوشه الشهوات والنزعات والميول والأطماع . . وإنها لمخاطرة أن يأخذ على عاتقه هذه التبعة الثقيلة . ومن ثم « كان ظلوما » لنفسه « جهولا » لطاقته . هذا بالقياس إلى ضخامة ما زج بنفسه لحمله . فأما حين ينهض بالتبعة . حين يصل إلى المعرفة الواصلة إلى بارئه ، والاهتداء المباشر لناموسه ، والطاعة الكاملة لإرادة ربه . المعرفة والاهتداء والطاعة التي تصل في طبيعتها وفي آثارها إلى مثل ما وصلت إليه من سهولة ويسر وكمال في السماوات والأرض والجبال . . الخلائق التي تعرف مباشرة ، وتهتدي مباشرة ، وتطيع مباشرة ، ولا تحول بينها وبين بارئها وناموسه وإرادته الحوائل . ولا تقعد بها المثبطات عن الانقياد والطاعة والأداء . . حين يصل الإنسان إلى هذه الدرجة ، وهو واع مدرك مريد . فإنه يصل حقا إلى مقام كريم ، ومكان بين خلق اللّه فريد . إنها الإرادة والإدراك والمحاولة وحمل التبعة . . هي هي ميزة هذا الإنسان على كثير من خلق اللّه . وهي هي مناط التكريم الذي أعلنه اللّه في الملأ الأعلى ، وهو يسجد الملائكة لآدم . وأعلنه في قرآنه الباقي وهو يقول : « وَلَقَدْ كَرَّمْنا بَنِي آدَمَ » . . فليعرف الإنسان مناط تكريمه عند اللّه . ولينهض بالأمانة التي اختارها ؛ والتي عرضت على السماوات والأرض والجبال ، فأبين أن يحملنها ، وأشفقن منها . . . ! ذلك كان . . « ليعذب اللّه المنافقين والمنافقات والمشركين والمشركات ، ويتوب اللّه على المؤمنين والمؤمنات . وكان اللّه غفورا رحيما » . . فاختصاص الإنسان بحمل الأمانة ؛ وأخذه على عاتقه أن يعرف بنفسه ، ويهتدي بنفسه ، ويعمل بنفسه ، ويصل بنفسه . . هذا كان ليحتمل عاقبة اختياره ، وليكون جزاؤه من عمله . وليحق العذاب على المنافقين والمنافقات والمشركين والمشركات . وليمد اللّه يد العون للمؤمنين والمؤمنات ، فيتوب عليهم مما يقعون فيه تحت ضغط ما ركب فيهم من نقص وضعف ، وما يقف في طريقهم من حواجز وموانع ، وما يشدهم من جواذب وأثقال . . فذلك فضل اللّه وعونه . وهو أقرب إلى المغفرة والرحمة بعباده : « وكان اللّه غفورا رحيما » . . وبهذا الإيقاع الهائل العميق تختم السورة التي بدأت بتوجيه الرسول - صلّى اللّه عليه وسلّم - إلى طاعة اللّه وعصيان الكافرين والمنافقين ، واتباع وحي اللّه ، والتوكل عليه وحده دون سواه . والتي تضمنت توجيهات وتشريعات يقوم عليها نظام المجتمع الإسلامي ، خالصا للّه ، متوجها له ، مطيعا لتوجيهاته . بهذا الإيقاع الذي يصور جسامة التبعة وضخامة الأمانة . ويحدد موضع الجسامة ومنشأ الضخامة . ويحصرها