سيد قطب

2870

في ظلال القرآن

وقد روى البخاري - رحمه اللّه - عن أنس بن مالك - رضي اللّه عنه - قال : إن زينب بنت جحش - رضي اللّه عنها - كانت تفخر على أزواج النبي - صلّى اللّه عليه وسلّم - فتقول : زوجكن أهاليكن ، وزوجني اللّه - تعالى - من فوق سبع سماوات . ولم تمر المسألة سهلة ، فلقد فوجئ بها المجتمع الإسلامي كله ؛ كما انطلقت ألسنة المنافقين تقول : تزوج حليلة ابنه ! ولما كانت المسألة مسألة تقرير مبدأ جديد فقد مضى القرآن يؤكدها ؛ ويزيل عنصر الغرابة فيها ، ويردها إلى أصولها البسيطة المنطقية التاريخية : « ما كانَ عَلَى النَّبِيِّ مِنْ حَرَجٍ فِيما فَرَضَ اللَّهُ لَهُ » . . فقد فرض له أن يتزوج زينب ، وأن يبطل عادة العرب في تحريم أزواج الأدعياء . وإذن فلا حرج في هذا الأمر ، وليس النبي - صلّى اللّه عليه وسلّم - فيه بدعا من الرسل . « سُنَّةَ اللَّهِ فِي الَّذِينَ خَلَوْا مِنْ قَبْلُ » . . فهو أمر يمضي وفق سنة اللّه التي لا تتبدل . والتي تتعلق بحقائق الأشياء ، لا بما يحوطها من تصورات وتقاليد مصطنعة لا تقوم على أساس . « وَكانَ أَمْرُ اللَّهِ قَدَراً مَقْدُوراً » . . فهو نافذ مفعول ، لا يقف في وجهه شيء ولا أحد . وهو مقدر بحكمة وخبرة ووزن ، منظور فيه إلى الغاية التي يريدها اللّه منه . ويعلم ضرورتها وقدرها وزمانها ومكانها . وقد أمر اللّه رسوله أن يبطل تلك العادة ويمحو آثارها عمليا ، ويقرر بنفسه السابقة الواقعية . ولم يكن بد من نفاذ أمر اللّه . وسنة اللّه هذه قد مضت في الذين خلوا من قبل من الرسل : « الَّذِينَ يُبَلِّغُونَ رِسالاتِ اللَّهِ وَيَخْشَوْنَهُ وَلا يَخْشَوْنَ أَحَداً إِلَّا اللَّهَ » . . فلا يحسبون للخلق حسابا فيما يكلفهم اللّه به من أمور الرسالة ، ولا يخشون أحدا إلا اللّه الذي أرسلهم للتبليغ والعمل والتنفيذ . « وَكَفى بِاللَّهِ حَسِيباً » . . فهو وحده الذي يحاسبهم ، وليس للناس عليهم من حساب . « ما كانَ مُحَمَّدٌ أَبا أَحَدٍ مِنْ رِجالِكُمْ » فزينب ليست حليلة ابنه ، وزيد ليس ابن محمد . إنما هو ابن حارثة . ولا حرج إذن في الأمر حين ينظر إليه بعين الحقيقة الواقعة . والعلاقة بين محمد - صلّى اللّه عليه وسلّم - وبين جميع المسلمين - ومنهم زيد بن حارثة - هي علاقة النبي بقومه ، وليس هو أبا لأحد منهم : « وَلكِنْ رَسُولَ اللَّهِ وَخاتَمَ النَّبِيِّينَ » . . ومن ثم فهو يشرع الشرائع الباقية ، لتسير عليها البشرية ؛ وفق آخر رسالة السماء إلى الأرض ، التي لا تبديل فيها بعد ذلك ولا تغيير . « وَكانَ اللَّهُ بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيماً » . . فهو الذي يعلم ما يصلح لهذه البشرية ، وما يصلحها ؛ وهو الذي فرض على النبي ما فرض ، واختار له