سيد قطب
2866
في ظلال القرآن
عليه وسلّم - فزوجنا عبده ! قال : فنزل القرآن : « وَما كانَ لِمُؤْمِنٍ وَلا مُؤْمِنَةٍ إِذا قَضَى اللَّهُ وَرَسُولُهُ أَمْراً » إلى آخر الآية . قال : وجاء أمر أجمع من هذا : « النَّبِيُّ أَوْلى بِالْمُؤْمِنِينَ مِنْ أَنْفُسِهِمْ » قال : فذاك خاص وهذا أجمع . وفي رواية ثالثة : قال الإمام أحمد : حدثنا عبد الرزاق ، أخبرنا معمر ، عن ثابت البناني ، عن أنس - رضي اللّه عنه - قال : خطب النبي - صلّى اللّه عليه وسلّم - على جليبيب « 1 » امرأة من الأنصار إلى أبيها . فقال : حتى أستأمر أمها . فقال النبي - صلّى اللّه عليه وسلّم - : « فنعم إذن » . قال : فانطلق الرجل إلى امرأته ، فذكر ذلك لها ، فقالت : لاها اللّه ! إذن ما وجد رسول اللّه - صلّى اللّه عليه وسلّم - إلا جليبيبا ، وقد منعناها من فلان وفلان ؟ قال : والجارية في سترها تسمع . قال : فانطلق الرجل يريد أن يخبر رسول اللّه - صلّى اللّه عليه وسلّم - بذلك . فقالت الجارية : أتريدون أن تردوا على رسول اللّه - صلّى اللّه عليه وسلّم - أمره ؟ إن كان قد رضيه لكم فأنكحوه . قال : فكأنها جلت عن أبويها . وقالا : صدقت . فذهب أبوها إلى رسول اللّه - صلّى اللّه عليه وسلّم - فقال : إن كنت قد رضيته فقد رضيناه . قال - صلّى اللّه عليه وسلّم - : « فإني قد رضيته » . قال : فزوجها . . ثم فزع أهل المدينة ، فركب جليبيب ، فوجدوه قد قتل ، وحوله ناس من المشركين قد قتلهم . قال أنس - رضي اللّه عنه - فلقد رأيتها وإنها لمن أنفق بيت بالمدينة . . فهذه الروايات - إن صحت - تعلق هذه الآية بحادث زواج زينب من زيد - رضي اللّه عنهما - أو زواجه من أم كلثوم بنت عقبة بن أبي معيط . وقد أثبتنا الرواية الثالثة عن جليبيب لأنها تدل على منطق البيئة الذي توكل الإسلام بتحطيمه ، وتولى رسول اللّه - صلّى اللّه عليه وسلّم - تغييره بفعله وسنته . وهو جزء من إعادة تنظيم الجماعة المسلمة على أساس منطق الإسلام الجديد ، وتصوره للقيم في هذه الأرض ، وانطلاق النزعة التحررية القائمة على منهج الإسلام ، المستمدة من روحه العظيم . ولكن نص الآية أعم من أي حادث خاص . وقد تكون له علاقة كذلك بإبطال آثار التبني ، وإحلال مطلقات الأدعياء ، وحادث زواج رسول اللّه - صلّى اللّه عليه وسلّم - من زينب - رضي اللّه عنها - بعد طلاقها من زيد . الأمر الذي كانت له ضجة عظيمة في حينه . والذي ما يزال يتخذه بعض أعداء الإسلام تكأة للطعن على رسول اللّه - صلّى اللّه عليه وسلّم - حتى اليوم ، ويلفقون حوله الأساطير ! وسواء كان سبب نزول الآية ما جاء في تلك الروايات ، أو كانت بصدد زواج الرسول - صلّى اللّه عليه وسلّم - من زينب - رضي اللّه عنها - فإن القاعدة التي تقررها الآية أعم وأشمل ، وأعمق جدا في نفوس المسلمين وحياتهم وتصورهم الأصيل . فهذا المقوّم من مقومات العقيدة هو الذي استقر في قلوب تلك الجماعة الأولى من المسلمين استقرارا حقيقيا ؛ واستيقنته أنفسهم ، وتكيفت به مشاعرهم . . هذا المقوم يتلخص في أنه ليس لهم في أنفسهم شيء ؛ وليس لهم من أمرهم شيء . إنما هم وما ملكت أيديهم للّه . يصرفهم كيف يشاء ، ويختار لهم ما يريد . وإن هم إلا بعض هذا الوجود الذي يسير وفق الناموس العام . وخالق هذا الوجود ومدبره يحركهم مع حركة الوجود العام ؛ ويقسم لهم دورهم في رواية الوجود الكبيرة ؛ ويقرر حركاتهم على مسرح الوجود العظيم . وليس لهم أن يختاروا الدور الذي يقومون به ، لأنهم لا يعرفون الرواية كاملة ؛ وليس لهم أن يختاروا الحركة التي يحبونها لأن ما يحبونه قد لا يستقيم مع الدور الذي خصص لهم ! وهم ليسوا أصحاب الرواية ولا المسرح ؛ وإن هم إلا أجراء ،
--> ( 1 ) وهو من الموالي .