سيد قطب
2859
في ظلال القرآن
وبعد أن يبين لهن منزلتهن التي ينلنها بحقها ، وهو التقوى ، يأخذ في بيان الوسائل التي يريد اللّه أن يذهب بها الرجس عن أهل البيت ويطهرهم تطهيرا : « فَلا تَخْضَعْنَ بِالْقَوْلِ ، فَيَطْمَعَ الَّذِي فِي قَلْبِهِ مَرَضٌ » . . ينهاهن حين يخاطبن الأغراب من الرجال أن يكون في نبراتهن ذلك الخضوع اللين الذي يثير شهوات الرجال ، ويحرك غرائزهم ، ويطمع مرضى القلوب ويهيج رغائبهم ! ومن هن اللواتي يحذرهن اللّه هذا التحذير ؛ إنهن أزواج النبي - صلّى اللّه عليه وسلّم - وأمهات المؤمنين ، اللواتي لا يطمع فيهن طامع ، ولا يرف عليهن خاطر مريض ، فيما يبدو للعقل أول مرة . وفي أي عهد يكون هذا التحذير ؟ في عهد النبي - صلّى اللّه عليه وسلّم - وعهد الصفوة المختارة من البشرية في جميع الأعصار . . ولكن اللّه الذي خلق الرجال والنساء يعلم أن في صوت المرأة حين تخضع بالقول ، وتترقق في اللفظ ، ما يثير الطمع في قلوب ، ويهيج الفتنة في قلوب . وأن القلوب المريضة التي تثار وتطمع موجودة في كل عهد ، وفي كل بيئة ، وتجاه كل امرأة ، ولو كانت هي زوج النبي الكريم ، وأم المؤمنين . وأنه لا طهارة من الدنس ، ولا تخلص من الرجس ، حتى تمتنع الأسباب المثيرة من الأساس . فكيف بهذا المجتمع الذي نعيش اليوم فيه . في عصرنا المريض الدنس الهابط ، الذي تهيج فيه الفتن وتثور فيه الشهوات ، وترف فيه الأطماع ؟ كيف بنا في هذا الجو الذي كل شيء فيه يثير الفتنة ، ويهيج الشهوة وينبه الغريزة ، ويوقظ السعار الجنسي المحموم ؟ كيف بنا في هذا المجتمع ، في هذا العصر ، في هذا الجو ، ونساء يتخنثن في نبراتهن ، ويتميعن في أصواتهن ، ويجمعن كل فتنة الأنثى ، وكل هتاف الجنس ، وكل سعار الشهوة ؛ ثم يطلقنه في نبرات ونغمات ؟ ! وأين هن من الطهارة ؟ وكيف يمكن أن يرف الطهر في هذا الجو الملوث . وهن بذواتهن وحركاتهن وأصواتهن ذلك الرجس الذي يريد اللّه أن يذهبه عن عباده المختارين ؟ ! « وَقُلْنَ قَوْلًا مَعْرُوفاً » . . نهاهن من قبل عن النبرة اللينة واللهجة الخاضعة ؛ وأمرهن في هذه أن يكون حديثهن في أمور معروفة غير منكرة ؛ فإن موضوع الحديث قد يطمع مثل لهجة الحديث . فلا ينبغي أن يكون بين المرأة والرجل الغريب لحن ولا إيماء ، ولا هذر ولا هزل ، ولا دعابة ولا مزاح ، كيلا يكون مدخلا إلى شيء آخر وراءه من قريب أو من بعيد . واللّه سبحانه الخالق العليم بخلقه وطبيعة تكوينهم هو الذي يقول هذا الكلام لأمهات المؤمنين الطاهرات . كي يراعينه في خطاب أهل زمانهن خير الأزمنة على الإطلاق ! « وَقَرْنَ فِي بُيُوتِكُنَّ » . . من وقر . يقر . أي ثقل واستقر . وليس معنى هذا الأمر ملازمة البيوت فلا يبرحنها إطلاقا . إنما هي إيماءة لطيفة إلى أن يكون البيت هو الأصل في حياتهن ، وهو المقر وما عداه استثناء طارئا لا يثقلن فيه ولا يستقررن . إنما هي الحاجة تقضى ، وبقدرها . والبيت هو مثابة المرأة التي تجد فيها نفسها على حقيقتها كما أرادها اللّه تعالى . غير مشوهة ولا منحرفة ولا ملوثة ، ولا مكدودة في غير وظيفتها التي هيأها اللّه لها بالفطرة . « ولكي يهيئ الإسلام للبيت جوه ويهيئ للفراخ الناشئة فيه رعايتها ، أوجب على الرجل النفقة ، وجعلها