سيد قطب

2568

في ظلال القرآن

في هذا الشوط يدع مقولات المشركين وجدالهم مع الرسول - صلّى اللّه عليه وسلّم - ليبدأ جولة في مشاهد الكون ومجاليه ، يوجه إليها قلب الرسول ويصل بها مشاعره . وهذا الاتصال كاف وحده ليدفع خاطره عن مضايقات المشركين الصغيرة ؛ ويفتح قلبه على تلك الآفاق الوسيعة التي يتضاءل معها كيد الكائدين وعداوة المجرمين . . والقرآن يوجه القلوب والعقول دائما إلى مشاهد هذا الكون ؛ ويربط بينها وبين العقول والقلوب . ويوقظ المشاعر لاستقبالها بحس جديد متفتح ، يتلقى الأصداء والأضواء ، وينفعل بها ويستجيب . ويسير في هذا الكون ليلتقط الآيات المبثوثة في تضاعيفه ، المنثورة في أرجائه ، المعروضة في صفحاته ، ويرى فيها يد الصانع المدبر ، ويستشعر آثار هذه اليد في كل ما تقع عليه عينه ، وكل ما يلمسه حسه ، وكل ما يلتقطه سمعه ؛ ويتخذ من هذا كله مادة للتدبر والتفكر ، والاتصال باللّه ، عن طريق الاتصال بما صنعت يداه . وحين يعيش الإنسان في هذا الكون مفتوح العين والقلب ، مستيقظ الحس والروح ، موصول الفكر والخاطر ؛ فإن حياته ترتفع عن ملابسات الأرض الصغيرة ، وشعوره بالحياة يتسامى ويتضاعف معا . وهو يحس في كل لحظة أن آفاق الكون أفسح كثيرا من رقعة هذه الأرض ؛ وأن كل ما يشهده صادر عن إرادة واحدة ، مرتبط بناموس واحد ، متجه إلى خالق واحد ؛ وإن هو إلا واحد من هذه المخلوقات الكثيرة المتصلة باللّه ؛ ويد اللّه في كل ما حوله ، وكل ما تقع عليه عينه ، وكل ما تلمسه يداه . إن شعورا من التقوى ، وشعورا من الأنس ، وشعورا من الثقة لتمتزج في حسه ، وتفيض على روحه ، وتعمر عالمه ، فتطبعه بطابع خاص من الشفافية والمودة والطمأنينة في رحلته على هذا الكوكب حتى يلقى اللّه . وهو يقضي هذه الرحلة كلها في مهرجان من صنع اللّه وعلى مائدة من يد الصانع المدبر الجميل التنسيق . وفي هذا الدرس ينتقل السياق من مشهد الظل اللطيف ، ويد اللّه تمده ثم تقبضه في يسر ولطف . إلى مشهد الليل وما فيه من نوم وسبات ، والنهار وما فيه من حركة وانبعاث . إلى مشهد الرياح تبشر بالرحمة ثم يعقبها الماء المحيي للموات . إلى مشهد البحرين الفرات والأجاج وبينهما برزخ يمنعهما ويحجز بينهما فلا يختلطان . ومن ماء السماء إلى ماء النطفة ، وإذا هو بشر يصرف الحياة . إلى مشهد خلق السماوات والأرض في ستة أيام . إلى مشهد البروج في السماء وما فيها من سراج مضيء وقمر منير . إلى مشهد الليل والنهار يتعاقبان على مدار الزمان . وفي خلال هذه المشاهد الموحية يوقظ القلب وينبه العقل إلى تدبر صنع اللّه فيها ؛ ويذكر بقدرته وتدبيره ؛ ويعجب معه إشراك المشركين ، وعبادتهم ما لا ينفعهم ولا يضرهم ، وجهلهم بربهم وتطاولهم عليه ، وتظاهرهم على الكفر والجحود والنكران . فإذا هو تصرف عجيب مريب في وسط هذا الحشد المعروض من آيات اللّه ، ومشاهد الكون الذي خلقه اللّه . فلنعش نحن لحظات في ذلك المهرجان الذي يدعونا الخالق البارئ المصور إليه في طول الحياة . « أَ لَمْ تَرَ إِلى رَبِّكَ كَيْفَ مَدَّ الظِّلَّ - وَلَوْ شاءَ لَجَعَلَهُ ساكِناً - ثُمَّ جَعَلْنَا الشَّمْسَ عَلَيْهِ دَلِيلًا ثُمَّ قَبَضْناهُ إِلَيْنا قَبْضاً يَسِيراً » . . إن مشهد الظل الوريف اللطيف ليوحي إلى النفس المجهودة المكدودة بالراحة والسكن والأمان . وكأنما هو اليد الآسية الرحيمة تنسم على الروح والبدن ، وتمسح على القرح والألم ، وتهدهد القلب المتعب المكدود . .