سيد قطب

2855

في ظلال القرآن

أزواجه . قالت : فبدأ بي رسول اللّه - صلّى اللّه عليه وسلّم - فقال : « إني ذاكر لك أمرا فلا عليك أن لا تستعجلي حتى تستأمري أبويك » - وقد علم أن أبويّ لم يكونا يأمراني بفراقه - قالت : ثم قال : « إن اللّه تعالى قال : ( يا أَيُّهَا النَّبِيُّ قُلْ لِأَزْواجِكَ ) إلى تمام الآيتين . فقلت له : ففي أيّ هذا استأمر أبويّ ؟ فإني أريد اللّه ورسوله والدار الآخرة . لقد جاء القرآن الكريم ليحدد القيم الأساسية في تصور الإسلام للحياة . هذه القيم التي ينبغي أن تجد ترجمتها الحية في بيت النبي - صلّى اللّه عليه وسلّم - وحياته الخاصة ؛ وأن تتحقق في أدق صورة وأوضحها في هذا البيت الذي كان - وسيبقى - منارة للمسلمين وللإسلام حتى يرث اللّه الأرض ومن عليها . ونزلت آيتا التخيير تحددان الطريق . فإما الحياة الدنيا وزينتها ، وإما اللّه ورسوله والدار الآخرة . فالقلب الواحد لا يسع تصورين للحياة . وما جعل اللّه لرجل من قلبين في جوفه . وقد كانت نساء النبي - صلّى اللّه عليه وسلّم - قد قلن : واللّه لا نسأل رسول اللّه - صلّى اللّه عليه وسلّم - بعد هذا المجلس ما ليس عنده . فنزل القرآن ليقرر أصل القضية . فليست المسألة أن يكون عنده أو لا يكون . إنما المسألة هي اختيار اللّه ورسوله والدار الآخرة كلية ، أو اختيار الزينة والمتاع . سواء كانت خزائن الأرض كلها تحت أيديهن أم كانت بيوتهن خاوية من الزاد . وقد اخترن اللّه ورسوله والدار الآخرة اختيارا مطلقا بعد هذا التخيير الحاسم . وكن حيث تؤهلهن مكانتهن من رسول اللّه - صلّى اللّه عليه وسلّم - وفي ذلك الأفق العالي الكريم اللائق ببيت الرسول العظيم . وفي بعض الروايات أن النبي - صلّى اللّه عليه وسلّم - فرح بهذا الاختيار . ونحب أن نقف لحظات أمام هذا الحادث نتدبره من بعض زواياه . إنه يحدد التصور الإسلامي الواضح للقيم ؛ ويرسم الطريق الشعوري للإحساس بالدنيا والآخرة . ويحسم في القلب المسلم كل أرجحة وكل لجلجة بين قيم الدنيا وقيم الآخرة ؛ بين الاتجاه إلى الأرض والاتجاه إلى السماء . ويخلص هذا القلب من كل وشيجة غريبة تحول بينه وبين التجرد للّه والخلوص له وحده دون سواه . هذا من جانب ومن الجانب الآخر يصور لنا هذا الحادث حقيقة حياة رسول اللّه - صلّى اللّه عليه وسلّم - والذين عاشوا معه واتصلوا به . وأجمل ما في هذه الحقيقة أن تلك الحياة كانت حياة إنسان وحياة ناس من البشر ؛ لم يتجردوا من بشريتهم ومشاعرهم وسماتهم الإنسانية . مع كل تلك العظمة الفريدة البالغة التي ارتفعوا إليها ؛ ومع كل هذا الخلوص للّه والتجرد مما عداه . فالمشاعر الإنسانية والعواطف البشرية لم تمت في تلك النفوس . ولكنها ارتفعت ، وصفت من الأوشاب . ثم بقيت لها طبيعتها البشرية الحلوة ، ولم تعوق هذه النفوس عن الارتفاع إلى أقصى درجات الكمال المقدر للإنسان . وكثيرا ما نخطئ نحن حين نتصور للنبي - صلّى اللّه عليه وسلّم - ولصحابته - رضوان اللّه عليهم - صورة غير حقيقية ، أو غير كاملة ، نجردهم فيها من كل المشاعر والعواطف البشرية ، حاسبين أننا نرفعهم بهذا وننزههم عما نعده نحن نقصا وضعفا ! وهذا الخطأ يرسم لهم صورة غير واقعية ، صورة ملفعة بهالات غامضة لا نتبين من خلالها ملامحهم الإنسانية الأصيلة . ومن ثم تنقطع الصلة البشرية بيننا وبينهم . وتبقى شخوصهم في حسنا بين تلك الهالات أقرب إلى الأطياف التي لا تلمس ولا تتماسك في الأيدي ! ونشعر بهم كما لو كانوا خلقا آخر غيرنا . . ملائكة أو خلقا مثلهم مجردا من مشاعر البشر وعواطفهم على كل حال ! ومع شفافية هذه الصورة الخيالية فإنها