سيد قطب

2842

في ظلال القرآن

ويحسن أن نلم بلمحات من هذا الموقف على سبيل المثال . إذ كنا لا نملك هنا أن نتناوله بالتفصيل . خرج رسول اللّه - صلّى اللّه عليه وسلّم - يعمل في الخندق مع المسلمين . يضرب بالفأس ، ويجرف التراب بالمسحاة ، ويحمل التراب في المكتل . ويرفع صوته مع المرتجزين ، وهم يرفعون أصواتهم بالرجز في أثناء العمل ، فيشاركهم الترجيع ! وقد كانوا يتغنون بأغان ساذجة من وحي الحوادث الجارية : كان هناك رجل من المسلمين اسمه جعيل ، فكره رسول اللّه - صلّى اللّه عليه وسلّم - اسمه ، وسماه عمرا . فراح العاملون في الخندق يغنون جماعة بهذا الرجز الساذج : سماه من بعد جعيل عمرا * وكان للبائس يوما ظهرا فإذا مروا في ترجيعهم بكلمة « عمرو » ، قال رسول اللّه - صلّى اللّه عليه وسلّم - : « عمرا » . وإذا مروا بكلمة « ظهر » قال رسول اللّه - صلّى اللّه عليه وسلّم - : « ظهرا » . ولنا أن نتصور هذا الجو الذي يعمل فيه المسلمون ، والرسول - صلّى اللّه عليه وسلّم - بينهم ، يضرب بالفأس ، ويجرف بالمسحاة ، ويحمل في المكتل ، ويرجع معهم هذا الغناء . ولنا أن نتصور أية طاقة يطلقها هذا الجو في أرواحهم ؛ وأي ينبوع يتفجر في كيانهم بالرضى والحماسة والثقة والاعتزاز . وكان زيد بن ثابت فيمن ينقل التراب . فقال - صلّى اللّه عليه وسلّم - أما إنه نعم الغلام ! وغلبته عيناه فنام في الخندق . وكان القر شديدا . فأخذ عمارة بن حزم سلاحه ، وهو لا يشعر . فلما قام فزع . فقال رسول اللّه - صلّى اللّه عليه وسلّم - : « يا أبا رقاد ! نمت حتى ذهب سلاحك » ! ثم قال : « من له علم بسلاح هذا الغلام » ؟ فقال عمارة : يا رسول اللّه هو عندي . فقال : فرده عليه . ونهى أن يروع المسلم ويؤخذ متاعه لاعبا ! وهو حادث كذلك يصور يقظة العين والقلب ، لكل من في الصف ، صغيرا أو كبيرا . كما يصور روح الدعابة الحلوة الحانية الكريمة : « يا أبا رقاد ! نمت حتى ذهب سلاحك ! » ويصور في النهاية ذلك الجو الذي كان المسلمون يعيشون فيه في كنف نبيهم ، في أحرج الظروف . . ثم كانت روحه - صلّى اللّه عليه وسلّم - تستشرف النصر من بعيد ، وتراه رأي العين في ومضات الصخور على ضرب المعاول ؛ فيحدث بها المسلمين ، ويبث فيهم الثقة واليقين . قال ابن إسحاق : وحدثت عن سلمان الفارسي أنه قال : ضربت في ناحية من الخندق ، فغلظت عليّ صخرة ، ورسول اللّه - صلّى اللّه عليه وسلّم - قريب مني . فلما رآني أضرب ، ورأى شدة المكان عليّ ، نزل فأخذ المعول من يدي ، فضرب به ضربة لمعت تحت المعول برقة . قال : ثم ضرب به ضربة أخرى ، فلمعت تحته برقة أخرى . قال : ثم ضرب به الثالثة ، فلمعت تحته برقة أخرى . قال : قلت : بأبي أنت وأمي يا رسول اللّه ! ما هذا الذي رأيت ، لمع المعول وأنت تضرب ؟ قال : « أو قد رأيت ذلك يا سلمان » ؟ قال : قلت . نعم : قال : « أما الأولى فإن اللّه فتح عليّ بها اليمن . وأما الثانية فإن اللّه فتح عليّ بها الشام والمغرب . وأما الثالثة فإن اللّه فتح عليّ بها المشرق » . . وجاء في « إمتاع الأسماع للمقريزي » أن هذا الحادث وقع لعمر بن الخطاب بحضور سلمان . رضي اللّه عنهما . ولنا أن نتصور اليوم كيف يقع مثل هذا القول في القلوب ، والخطر محدق بها محيط . ولنا أن نضيف إلى تلك الصور الوضيئة صورة حذيفة عائدا من استطلاع خبر الأحزاب ؛ وقد أخذه القر