سيد قطب

2834

في ظلال القرآن

وأمر بالذراري والنساء فجعلوا في الآطام ( أي الحصون ) . وخرج عدو اللّه حيي بن أخطب النضري حتى أتى كعب بن أسد القرظي صاحب عقد بني قريظة وعهدهم . وكان قد وادع رسول اللّه - صلّى اللّه عليه وسلّم - عن قومه ، وعاقده على ذلك وعاهده . . فلم يزل حيي بكعب يفتله في الذروة والغارب ( أي ما زال يروضه ويخاتله ) حتى سمح له - على أن أعطاه عهدا وميثاقا : لئن رجعت قريش وغطفان ولم يصيبوا محمدا أن أدخل معك في حصنك حتى يصيبني ما أصابك . فنقض كعب ابن أسد عهده ، وبرئ مما كان بينه وبين رسول اللّه - صلّى اللّه عليه وسلّم . وعظم عند ذلك البلاء ، واشتد الخوف ؛ وأتاهم عدوهم من فوقهم ومن أسفل منهم ، حتى ظن المؤمنون كل ظن ، ونجم النفاق من بعض المنافقين ، حتى قال معتب بن قشير أخو بني عمرو بن عوف : كان محمد يعدنا أن نأكل كنوز كسرى وقيصر ، وأحدنا اليوم لا يأمن على نفسه أن يذهب إلى الغائط ! وحتى قال أوس بن قيظي أحد بني حارثة بن الحارث : يا رسول اللّه ، إن بيوتنا عورة من العدو - وذلك عن ملأ من رجال قومه - فأذن لنا أن نخرج فنرجع إلى دارنا ، فإنها خارج من المدينة . فأقام رسول اللّه - صلّى اللّه عليه وسلّم - وأقام عليه المشركون بضعا وعشرين ليلة ، قريبا من شهر . لم تكن بينه وبينهم حرب إلا الرميا بالنبل والحصار . فلما اشتد على الناس البلاء بعث رسول اللّه - صلّى اللّه عليه وسلّم - إلى عيينة بن حصن وإلى الحارث ابن عوف - وهما قائدا غطفان - فأعطاهما ثلث ثمار المدينة ، على أن يرجعا بمن معهما عنه وعن أصحابه « 1 » ، فجرى بينه وبينهما الصلح حتى كتبوا الكتابة ؛ ولم تقع الشهادة ولا عزيمة الصلح ، إلا المراوضة في ذلك . فلما أراد رسول اللّه - صلّى اللّه عليه وسلّم - أن يفعل ، بعث إلى سعد بن معاذ ( سيد الأوس ) وسعد بن عبادة ( سيد الخزرج ) فذكر ذلك لهما . واستشارهما فيه ، فقالا له : يا رسول اللّه ، أمرا تحبه فنصنعه ؟ أم شيئا أمرك اللّه به لا بد لنا من العمل به ؟ أم شيئا تصنعه لنا ؟ قال : « بل شيء أصنعه لكم ، واللّه ما أصنع ذلك إلا لأنني رأيت العرب قد رمتكم عن قوس واحدة وكالبوكم من كل جانب ، فأردت أن أكسر عنكم من شوكتهم إلى أمر ما » . فقال سعد بن معاذ : يا رسول اللّه قد كنا نحن وهؤلاء القوم على الشرك باللّه وعبادة الأوثان ، لا نعبد اللّه ولا نعرفه ، وهم لا يطمعون أن يأكلوا منها ثمرة إلا قرى أو بيعا . أفحين أكرمنا اللّه بالإسلام ، وهدانا له ، وأعزنا بك وبه نعطيهم أموالنا ؟ واللّه ما لنا بهذا من حاجة ، واللّه لا نعطيهم إلا السيف حتى يحكم اللّه بيننا وبينهم . قال رسول اللّه - صلّى اللّه عليه وسلّم - : فأنت وذاك . فتناول سعد بن معاذ الصحيفة ، فمحا ما فيها من الكتاب ، ثم قال : ليجهدوا علينا . وأقام رسول اللّه - صلّى اللّه عليه وسلّم - وأصحابه فيما وصف اللّه من الخوف والشدة ، لتظاهر عدوهم عليهم ، وإتيانهم من فوقهم ومن أسفل منهم « 2 » .

--> ( 1 ) وكان اليهود قد وعدوهم ثمر خيبر سنة إن نصروهم ( عن إمتاع الأسماع للمقريزي ) ( 2 ) قالت أم سلمة - رضي اللّه عنها - شهدت معه مشاهد فيها قتال وخوف : المريسيع ، وخيبر ، وكنا بالحديبية ، وفي الفتح ، وحنين . لم يكن من ذلك أتعب لرسول اللّه - صلّى اللّه عليه وسلّم - ولا أخوف عندنا من الخندق . وذلك أن المسلمين كانوا في مثل الحرجة ، وأن قريظة لا نأمنها على الذراري ، فالمدينة تحرس حتى الصباح ، نسمع فيها تكبير المسلمين حتى يصبحوا خوفا . حتى ردهم اللّه بغيظهم لم ينالوا خيرا .