سيد قطب
2832
في ظلال القرآن
حادث ؛ ويرتب تأثراتها واستجاباتها وفق منهجه الذي يريد . ولم يترك المسلمون لهذا القرآن ، يتنزل بالأوامر والنواهي ، وبالتشريعات والتوجيهات جملة واحدة ؛ إنما أخذهم اللّه بالتجارب والابتلاءات ، والفتن والامتحانات ؛ فقد علم اللّه أن هذه الخليقة البشرية لا تصاغ صياغة سليمة ، ولا تنضج نضجا صحيحا ، ولا تصح وتستقيم على منهج إلا بذاك النوع من التربية التجريبية الواقعية ، التي تحفر في القلوب ، وتنقش في الأعصاب ؛ وتأخذ من النفوس وتعطي في معترك الحياة ومصطرع الأحداث . أما القرآن فيتنزل ليكشف لهذه النفوس عن حقيقة ما يقع ودلالته ؛ وليوجه تلك القلوب وهي منصهرة بنار الفتنة ، ساخنة بحرارة الابتلاء ، قابلة للطرق ، مطاوعة للصياغة ! ولقد كانت فترة عجيبة حقا تلك التي قضاها المسلمون في حياة الرسول - صلّى اللّه عليه وسلّم - فترة اتصال السماء بالأرض اتصالا مباشرا ظاهرا ، مبلورا في أحداث وكلمات . ذلك حين كان يبيت كل مسلم وهو يشعر أن عين اللّه عليه ، وأن سمع اللّه إليه ؛ وأن كل كلمة منه وكل حركة ، بل كل خاطر وكل نية ، قد يصبح مكشوفا للناس ، يتنزل في شأنه قرآن على رسول اللّه - صلّى اللّه عليه وسلّم - . وحين كان كل مسلم يحس الصلة المباشرة بينه وبين ربه ؛ فإذا حزبه أمر ، أو واجهته معضلة ، انتظر أن تفتح أبواب السماء غدا أو بعد غد ليتنزل منها حل لمعضلته ، وفتوى في أمره ، وقضاء في شأنه . وحين كان اللّه سبحانه بذاته العلية ، يقول : أنت يا فلان بذاتك قلت كذا ، وعملت كذا وأضمرت كذا وأعلنت كذا . وكن كذا ، ولا تكن كذا . . ويا له من أمر هائل عجيب ! يا له من أمر هائل عجيب أن يوجه اللّه خطابه المعين إلى شخص معين . . هو وكل من على هذه الأرض ، وكل ما في هذه الأرض ، وكل هذه الأرض . ذرة صغيرة في ملك اللّه الكبير ! لقد كانت فترة عجيبة حقا ، يتملاها الإنسان اليوم ، ويتصور حوادثها ومواقفها ، وهو لا يكاد يدرك كيف كان ذلك الواقع ، الأضخم من كل خيال ! ولكن اللّه لم يدع المسلمين لهذه المشاعر وحدها تربيهم ، وتنضج شخصيتهم المسلمة . بل أخذهم بالتجارب الواقعية ، والابتلاءات التي تأخذ منهم وتعطي ؛ وكل ذلك لحكمة يعلمها ، وهو أعلم بمن خلق ، وهو اللطيف الخبير . هذه الحكمة تستحق أن نقف أمامها طويلا ، ندركها ونتدبرها ؛ ونتلقى أحداث الحياة وامتحاناتها على ضوء ذلك الإدراك وهذا التدبير . وهذا المقطع من سورة الأحزاب يتولى تشريح حدث من الأحداث الضخمة في تاريخ الدعوة الإسلامية ، وفي تاريخ الجماعة المسلمة ؛ ويصف موقفا من مواقف الامتحان العسيرة ، وهو غزوة الأحزاب ، في السنة الرابعة أو الخامسة للهجرة ، الامتحان لهذه الجماعة الناشئة ، ولكل قيمها وتصوراتها . ومن تدبر هذا النص القرآني ، وطريقة عرضه للحادث ، وأسلوبه في الوصف والتعقيب ووقوفه أمام بعض المشاهد والحوادث ، والحركات والخوالج ، وإبرازه للقيم والسنن . . من ذلك كله ندرك كيف كان اللّه يربي هذه الأمة بالأحداث والقرآن في آن . ولكي ندرك طريقة القرآن الخاصة في العرض والتوجيه فإننا قبل البدء في شرح النص القرآني ، نثبت رواية الحادث كما عرضتها كتب السيرة - مع الاختصار المناسب - ليظهر الفارق بين سرد اللّه سبحانه ، وسرد البشر للوقائع والأحداث .