سيد قطب
2822
في ظلال القرآن
والآن نتناول السورة بالتفصيل بعد هذا الإجمال السريع . « يا أَيُّهَا النَّبِيُّ اتَّقِ اللَّهَ ، وَلا تُطِعِ الْكافِرِينَ وَالْمُنافِقِينَ ، إِنَّ اللَّهَ كانَ عَلِيماً حَكِيماً . وَاتَّبِعْ ما يُوحى إِلَيْكَ مِنْ رَبِّكَ ، إِنَّ اللَّهَ كانَ بِما تَعْمَلُونَ خَبِيراً . وَتَوَكَّلْ عَلَى اللَّهِ ، وَكَفى بِاللَّهِ وَكِيلًا » . . هذا هو ابتداء السورة التي تتولى تنظيم جوانب من الحياة الاجتماعية والأخلاقية للمجتمع الإسلامي الوليد . وهو ابتداء يكشف عن طبيعة النظام الإسلامي والقواعد التي يقوم عليها في عالم الواقع وعالم الضمير . إن الإسلام ليس مجموعة إرشادات ومواعظ ، ولا مجموعة آداب وأخلاق ، ولا مجموعة شرائع وقوانين ، ولا مجموعة أوضاع وتقاليد . . إنه يشتمل على هذا كله . ولكن هذا كله ليس هو الإسلام . . إنما الإسلام الاستسلام . الاستسلام لمشيئة اللّه وقدره ؛ والاستعداد ابتداء لطاعة أمره ونهيه ؛ ولاتباع المنهج الذي يقرره دون التلفت إلى أي توجيه آخر وإلى أي اتجاه . ودون اعتماد كذلك على سواه . وهو الشعور ابتداء بأن البشر في هذه الأرض خاضعون للناموس الإلهي الواحد الذي يصرّفهم ويصرّف الأرض ، كما يصرّف الكواكب والأفلاك ؛ ويدبر أمر الوجود كله ما خفي منه وما ظهر ، وما غاب منه وما حضر ، وما تدركه منه العقول وما يقصر عنه إدراك البشر . وهو اليقين بأنهم ليس لهم من الأمر شيء إلا اتباع ما يأمرهم به اللّه والانتهاء عما ينهاهم عنه ؛ والأخذ بالأسباب التي يسرها لهم ، وارتقاب النتائج التي يقدرها اللّه . . هذه هي القاعدة . ثم تقوم عليها الشرائع والقوانين ، والتقاليد والأوضاع ، والآداب والأخلاق . بوصفها الترجمة العملية لمقتضيات العقيدة المستكنة في الضمير ؛ والآثار الواقعية لاستسلام النفس للّه ، والسير على منهجه في الحياة . . إن الإسلام عقيدة . تنبثق منها شريعة . يقوم على هذه الشريعة نظام . وهذه الثلاثة مجتمعة مترابطة متفاعلة هي الإسلام . . ومن ثم كان التوجيه الأول في السورة التي تتولى تنظيم الحياة الاجتماعية للمسلمين بتشريعات وأوضاع جديدة ، هو التوجيه إلى تقوى اللّه . وكان القول موجها إلى النبي - صلّى اللّه عليه وسلّم - القائم على تلك التشريعات والتنظيمات . . « يا أَيُّهَا النَّبِيُّ اتَّقِ اللَّهَ » . . فتقوى اللّه والشعور برقابته واستشعار جلاله هي القاعدة الأولى ، وهي الحارس القائم في أعماق الضمير على التشريع والتنفيذ . وهي التي يناط بها كل تكليف في الإسلام وكل توجيه . وكان التوجيه الثاني هو النهي عن طاعة الكافرين والمنافقين ، واتباع توجيههم أو اقتراحهم ، والاستماع إلى رأيهم أو تحريضهم : « وَلا تُطِعِ الْكافِرِينَ وَالْمُنافِقِينَ » . . وتقديم هذا النهي على الأمر باتباع وحي اللّه يوحي بأن ضغط الكافرين والمنافقين في المدينة وما حولها كان في ذلك الوقت عنيفا ، فاقتضى هذا النهي عن اتباع آرائهم وتوجيهاتهم ، والخضوع لدفعهم وضغطهم . ثم يبقى ذلك النهي قائما في كل بيئة وكل زمان ، يحذر المؤمنين أن يتبعوا آراء الكافرين والمنافقين إطلاقا ، وفي أمر العقيدة وأمر التشريع وأمر التنظيم الاجتماعي بصفة خاصة . ليبقى منهجهم خالصا للّه ، غير مشوب بتوجيه من سواه . ولا ينخدع أحد بما يكون عند الكافرين والمنافقين من ظاهر العلم والتجربة والخبرة - كما يسوغ بعض المسلمين لأنفسهم في فترات الضعف والانحراف - فإن اللّه هو العليم الحكيم ؛ وهو الذي اختار للمؤمنين منهجهم وفق علمه وحكمته : « إِنَّ اللَّهَ كانَ عَلِيماً حَكِيماً » . . وما عند البشر إلا قشور ، وإلا قليل ! والتوجيه الثالث المباشر : « وَاتَّبِعْ ما يُوحى إِلَيْكَ مِنْ رَبِّكَ » . فهذه هي الجهة التي تجيء منها التوجيهات ، وهذا هو المصدر الحقيق بالاتباع . والنص يتضمن لمسات موحية تكمن في صياغة التعبير :