سيد قطب
2564
في ظلال القرآن
« وَلَقَدْ آتَيْنا مُوسَى الْكِتابَ ، وَجَعَلْنا مَعَهُ أَخاهُ هارُونَ وَزِيراً ؛ فَقُلْنَا : اذْهَبا إِلَى الْقَوْمِ الَّذِينَ كَذَّبُوا بِآياتِنا ، فَدَمَّرْناهُمْ تَدْمِيراً . وَقَوْمَ نُوحٍ لَمَّا كَذَّبُوا الرُّسُلَ أَغْرَقْناهُمْ وَجَعَلْناهُمْ لِلنَّاسِ آيَةً وَأَعْتَدْنا لِلظَّالِمِينَ عَذاباً أَلِيماً . وَعاداً وَثَمُودَ وَأَصْحابَ الرَّسِّ ، وَقُرُوناً بَيْنَ ذلِكَ كَثِيراً . وَكُلًّا ضَرَبْنا لَهُ الْأَمْثالَ ، وَكُلًّا تَبَّرْنا تَتْبِيراً . وَلَقَدْ أَتَوْا عَلَى الْقَرْيَةِ الَّتِي أُمْطِرَتْ مَطَرَ السَّوْءِ ؛ أَ فَلَمْ يَكُونُوا يَرَوْنَها ؟ بَلْ كانُوا لا يَرْجُونَ نُشُوراً » . . إنها أمثلة مختصرة سريعة ترسم مصائر المكذبين : فهذا موسى يؤتى الكتاب ويرسل معه أخوه هارون وزيرا ومعينا . ويؤمر بمواجهة « الْقَوْمِ الَّذِينَ كَذَّبُوا بِآياتِنا » ذلك أن فرعون وملأه كانوا مكذبين بآيات اللّه - حتى قبل إرسال موسى وهارون إليهم ، فآيات اللّه قائمة دائمة ، والرسل إنما يذكرون بها الغافلين . . وقبل أن تتم الآية الثانية في السياق يرسم مصيرهم في عنف وإجمال « فَدَمَّرْناهُمْ تَدْمِيراً » . وهؤلاء قوم نوح : « لَمَّا كَذَّبُوا الرُّسُلَ أَغْرَقْناهُمْ » . . وهم كذبوا نوحا وحده . ولكن نوحا إنما جاءهم بالعقيدة الواحدة التي أرسل بها الرسل جميعا . فلما كذبوه كانوا قد كذبوا الرسل جميعا . « وَجَعَلْناهُمْ لِلنَّاسِ آيَةً » فإن آية الطوفان لا تنسى على الدهر ، وكل من نظر فيها اعتبر إن كان له قلب يتدبر « وَأَعْتَدْنا لِلظَّالِمِينَ عَذاباً أَلِيماً » فهو حاضر لا يحتاج إلى إعداد . ويظهر لفظ الظالمين بدل الضمير لإثبات هذا الوصف لهم وبيان سبب العذاب . وهؤلاء عاد وثمود وأصحاب الرس « 1 » والقرون الكثيرة بين ذلك . كلهم لاقوا ذات المصير بعد أن ضربت لهم الأمثال ، فلم يتدبروا القول ، ولم يتقوا البوار والدمار . . وهذه الأمثلة كلها من قوم موسى ونوح ، وعاد وثمود وأصحاب الرس والقرون الكثيرة بين ذلك ، ومن القرية التي أمطرت مطر السوء - وهي قرية لوط - كلها تسير سيرة واحدة وتنتهي نهاية واحدة « وَكُلًّا ضَرَبْنا لَهُ الْأَمْثالَ » للعظة والاعتبار « وَكُلًّا تَبَّرْنا تَتْبِيراً » وكانت عاقبة التكذيب هي التحطيم والتفتيت والدمار . والسياق يستعرض هذه الأمثلة ذلك الاستعراض السريع لعرض هذه المصارع المؤثرة . وينهيها بمصرع قوم لوط وهم يمرون عليه في سدوم في رحلة الصيف إلى الشام . وقد أهلكها اللّه بمطر بركاني من الأبخرة والحجارة فدمرها تدميرا . ويقرر في نهايته أن قلوبهم لا تعتبر ولا تتأثر لأنهم لا ينتظرون البعث ، ولا يرجون لقاء اللّه . فذلك سبب قساوة تلك القلوب . وانطماسها . ومن هذا المعين تنبع تصرفاتهم واعتراضاتهم وسخرياتهم من القرآن ومن الرسول . وبعد هذا الاستعراض السريع يجيء ذكر استهزائهم برسول اللّه - صلّى اللّه عليه وسلّم - وقد سبقه تطاولهم على ربهم ، واعتراضهم على طريقة تنزيل القرآن . وسبقه كذلك مشاهدهم المفجعة في يوم الحشر ، ومصارع المكذبين أمثالهم في هذه الأرض . . كل أولئك تطييبا لقلب الرسول صلّى اللّه عليه وسلّم قبل ذكر استهزائهم به وتوقحهم عليها . ثم يعقب عليه بتهديدهم وتحقيرهم وتنزيلهم إلى أحط من درك الحيوان . « وَإِذا رَأَوْكَ إِنْ يَتَّخِذُونَكَ إِلَّا هُزُواً . أَ هذَا الَّذِي بَعَثَ اللَّهُ رَسُولًا ؟ إِنْ كادَ لَيُضِلُّنا عَنْ آلِهَتِنا لَوْ لا أَنْ صَبَرْنا عَلَيْها ؛ وَسَوْفَ يَعْلَمُونَ حِينَ يَرَوْنَ الْعَذابَ مَنْ أَضَلُّ سَبِيلًا . أَ رَأَيْتَ مَنِ اتَّخَذَ إِلهَهُ هَواهُ أَ فَأَنْتَ تَكُونُ عَلَيْهِ وَكِيلًا ؟ أَمْ تَحْسَبُ أَنَّ أَكْثَرَهُمْ يَسْمَعُونَ أَوْ يَعْقِلُونَ ؟ إِنْ هُمْ إِلَّا كَالْأَنْعامِ ، بَلْ هُمْ أَضَلُّ سَبِيلًا » . ولقد كان محمد صلّى اللّه عليه وسلّم ملء السمع والبصر بين قومه قبل بعثته . فقد كان عندهم ذا مكانة
--> ( 1 ) البئر المطوية أي التي لم تبن حوائطها وقيل إن أصحابها كانوا بقرية باليمامة فقتلوا نبيهم . واختار ابن جرير أنهم أصحاب الأخدود الذين حرقوا المؤمنين فيه وقد ذكروا في سورة البروج .