سيد قطب

2807

في ظلال القرآن

الأرض حول نفسها أمام الشمس مرة ، تؤلف ليلا ونهارا على هذه الأرض الصغيرة الضئيلة ، التي لا تزيد على أن تكون هباءة منثورة في فضاء الكون الرحيب ! وقد وجد هذا المقياس الزمني بعد وجود الأرض والشمس . وهو مقياس يصلح لنا نحن أبناء هذه الأرض الصغيرة الضئيلة ! أما حقيقة هذه الأيام الستة المذكورة في القرآن فعلمها عند اللّه ؛ ولا سبيل لنا إلى تحديدها وتعيين مقدارها . فهي من أيام اللّه التي يقول عنها : « وَإِنَّ يَوْماً عِنْدَ رَبِّكَ كَأَلْفِ سَنَةٍ مِمَّا تَعُدُّونَ » . . تلك الأيام الستة قد تكون ستة أطوار مرت بها السماوات والأرض وما بينهما حتى انتهت إلى ما هي عليه . أو ستة مراحل في النشأة والتكوين . أو ستة أدهار لا يعلم ما بين أحدها والآخر إلا اللّه . . وهي على أية حال شيء آخر غير الأيام الأرضية التي تعارف عليها أبناء الفناء . فلنأخذها كما هي غيبا من غيب اللّه لا سبيل إلى معرفته على وجه التحديد . إنما يقصد التعبير إلى تقرير التدبير والتقدير في الخلق ، وفق حكمة اللّه وعلمه . وإحسانه لكل شيء خلقه في الزمن والمراحل والأطوار المقدرة لهذا الخلق العظيم . « ثُمَّ اسْتَوى عَلَى الْعَرْشِ » . . والاستواء على العرش رمز لاستعلائه على الخلق كله . أما العرش ذاته فلا سبيل إلى قول شيء عنه ، ولا بد من الوقوف عند لفظه . وليس كذلك الاستواء . فظاهر أنه كناية عن الاستعلاء . ولفظ . . ثم ، لا يمكن قطعا أن يكون للترتيب الزمني ، لأن اللّه سبحانه - لا تتغير عليه الأحوال . ولا يكون في حال أو وضع - سبحانه - ثم يكون في حال أو وضع تال . إنما هو الترتيب المعنوي . فالاستعلاء درجة فوق الخلق ، يعبر عنها هذا التعبير . وفي ظلال الاستعلاء المطلق يلمس قلوبهم بالحقيقة التي تمسهم : « ما لَكُمْ مِنْ دُونِهِ مِنْ وَلِيٍّ وَلا شَفِيعٍ » . . وأين ؟ ومن ؟ وهو سبحانه المسيطر على العرش والسماوات والأرض وما بينهما ؟ وهو خالق السماوات والأرض وما بينهما ؟ فأين هو الولي من دونه ؟ وأين هو الشفيع الخارج على سلطانه ؟ « أَ فَلا تَتَذَكَّرُونَ ؟ » . . وتذكر هذه الحقيقة يرد القلب إلى الإقرار باللّه ، والاتجاه إليه وحده دون سواه . ومع الخلق والاستعلاء . . التدبير والتقدير . . في الدنيا والآخرة . . فكل أمر يدبر في السماوات والأرض وما بينهما يرفع إليه سبحانه في يوم القيامة ، ويرجع إليه مآله في ذلك اليوم الطويل : « يُدَبِّرُ الْأَمْرَ مِنَ السَّماءِ إِلَى الْأَرْضِ . ثُمَّ يَعْرُجُ إِلَيْهِ فِي يَوْمٍ كانَ مِقْدارُهُ أَلْفَ سَنَةٍ مِمَّا تَعُدُّونَ » . . والتعبير يرسم مجال التدبير منظورا واسعا شاملا : « مِنَ السَّماءِ إِلَى الْأَرْضِ » ليلقي على الحس البشري الظلال التي يطيقها ويملك تصورها ويخشع لها . وإلا فمجال تدبير اللّه أوسع وأشمل من السماء إلى الأرض . ولكن الحس البشري حسبه الوقوف أمام هذا المجال الفسيح ، ومتابعة التدبير شاملا لهذه الرقعة الهائلة التي لا يعرف حتى الأرقام التي تحدد مداها ! ثم يرتفع كل تدبير وكل تقدير بمآله ونتائجه وعواقبه . يرتفع إليه سبحانه في علاه في اليوم الذي قدره لعرض مآلات الأعمال والأقوال ، والأشياء والأحياء « فِي يَوْمٍ كانَ مِقْدارُهُ أَلْفَ سَنَةٍ مِمَّا تَعُدُّونَ » . . وليس شيء من هذا كله متروكا سدى ولا مخلوقا عبثا ، إنما يدبر بأمر اللّه إلى أجل مرسوم . . يرتفع . فكل شيء