سيد قطب

2790

في ظلال القرآن

في الضمير . بعد الإيمان باللّه لا شريك له ؛ واليقين بالآخرة لا ريب فيها ؛ والثقة بعدالة الجزاء لا يفلت منه مثقال حبة من خردل . . فأما الخطوة التالية فهي التوجه إلى اللّه بالصلاة ، والتوجه إلى الناس بالدعوة إلى اللّه ، والصبر على تكاليف الدعوة ومتاعبها التي لا بد أن تكون : « يا بُنَيَّ أَقِمِ الصَّلاةَ وَأْمُرْ بِالْمَعْرُوفِ وَانْهَ عَنِ الْمُنْكَرِ ، وَاصْبِرْ عَلى ما أَصابَكَ . إِنَّ ذلِكَ مِنْ عَزْمِ الْأُمُورِ » . . وهذا هو طريق العقيدة المرسوم . . توحيد للّه ، وشعور برقابته ، وتطلع إلى ما عنده ، وثقة في عدله ، وخشية من عقابه . ثم انتقال إلى دعوة الناس وإصلاح حالهم ، وأمرهم بالمعروف ، ونهيهم عن المنكر . والتزود قبل ذلك كله للمعركة مع الشر ، بالزاد الأصيل . زاد العبادة للّه والتوجه إليه بالصلاة . ثم الصبر على ما يصيب الداعية إلى اللّه ، من التواء النفوس وعنادها ، وانحراف القلوب وإعراضها . ومن الأذى تمتد به الألسنة وتمتد به الأيدي . ومن الابتلاء في المال والابتلاء في النفس عند الاقتضاء . . « إِنَّ ذلِكَ مِنْ عَزْمِ الْأُمُورِ » . . وعزم الأمور : قطع الطريق على التردد فيها بعد العزم والتصميم . ويستطرد لقمان في وصيته التي يحكيها القرآن هنا إلى أدب الداعية إلى اللّه . فالدعوة إلى الخير لا تجيز التعالي على الناس ؛ والتطاول عليهم باسم قيادتهم إلى الخير . ومن باب أولى يكون التعالي والتطاول بغير دعوة إلى الخير أقبح وأرذل : « وَلا تُصَعِّرْ خَدَّكَ لِلنَّاسِ ، وَلا تَمْشِ فِي الْأَرْضِ مَرَحاً . إِنَّ اللَّهَ لا يُحِبُّ كُلَّ مُخْتالٍ فَخُورٍ . وَاقْصِدْ فِي مَشْيِكَ ، وَاغْضُضْ مِنْ صَوْتِكَ . إِنَّ أَنْكَرَ الْأَصْواتِ لَصَوْتُ الْحَمِيرِ » . . والصعر داء يصيب الإبل فيلوي أعناقها . والأسلوب القرآني يختار هذا التعبير للتنفير من الحركة المشابهة للصعر . حركة الكبر والازورار ، وإمالة الخد للناس في تعال واستكبار ! والمشي في الأرض مرحا هو المشي في تخايل ونفخة وقلة مبالاة بالناس . وهي حركة كريهة يمقتها اللّه ويمقتها الخلق . وهي تعبير عن شعور مريض بالذات ، يتنفس في مشية الخيلاء ! « إِنَّ اللَّهَ لا يُحِبُّ كُلَّ مُخْتالٍ فَخُورٍ » . . ومع النهي عن مشية المرح ، بيان للمشية المعتدلة القاصدة : « وَاقْصِدْ فِي مَشْيِكَ » . . والقصد هنا من الاقتصاد وعدم الإسراف . وعدم إضاعة الطاقة في التبختر والتثني والاختيال . ومن القصد كذلك . لأن المشية القاصدة إلى هدف ، لا تتلكأ ولا تتخايل ولا تتبختر ، إنما تمضي لقصدها في بساطة وانطلاق . والغض من الصوت فيه أدب وثقة بالنفس واطمئنان إلى صدق الحديث وقوته . وما يزعق أو يغلظ في الخطاب إلا سيئ الأدب ، أو شاك في قيمة قوله ، أو قيمة شخصه ؛ يحاول إخفاء هذا الشك بالحدة والغلظة والزعاق ! والأسلوب القرآني يرذل هذا الفعل ويقبحه في صورة منفرة محتقرة بشعة حين يعقب عليه بقوله : « إِنَّ أَنْكَرَ الْأَصْواتِ لَصَوْتُ الْحَمِيرِ » . . فيرتسم مشهد مضحك يدعو إلى الهزء والسخرية ، مع النفور والبشاعة . ولا يكاد ذو حس يتصور هذا المشهد المضحك من وراء التعبير المبدع ، ثم يحاول . . شيئا من صوت هذا الحمير . . ! وهكذا تنتهي الجولة الثانية ، بعد ما عالجت القضية الأولى ، بهذا التنويع في العرض ، والتجديد في الأسلوب .