سيد قطب
2780
في ظلال القرآن
جاء هذا القرآن الكريم ليخاطب الفطرة البشرية بمنطقها . نزله الذي خلق هذه الفطرة ، والذي يعلم ما يصلح لها وما يصلحها ، ويعلم كيف يخاطبها ، ويعرف مداخلها ومساربها . جاء يعرض على هذه الفطرة الحقيقة المكنونة فيها من قبل ؛ والتي تعرفها قبل أن تخاطب بهذا القرآن ، لأنها قائمة عليها أصلا في تكوينها الأول . . تلك هي حقيقة الاعتراف بوجود الخالق وتوحيده ، والتوجه إليه وحده بالإنابة والعبادة مع موكب الوجود كله المتجه إلى خالقه بالحمد والتسبيح . . إنما تغشى على الفطرة غواش من دخان هذه الأرض ؛ وتغمرها غمرات من فورة اللحم والدم ؛ وتنحرف بها عن الطريق دفعات من الهوى والشهوة . هنا يجيء هذا القرآن ليخاطب الفطرة بمنطقها الذي تعرفه ؛ ويعرض عليها الحقيقة التي غفلت عنها بالأسلوب الذي تألفه ؛ ويقيم على أساس هذه الحقيقة منهاج الحياة كله ، مستقيما مع العقيدة ، مستقيما مع الفطرة ، مستقيما على الطريق إلى الخالق الواحد المدبر الخبير . . وهذه السورة المكية نموذج من نماذج الطريقة القرآنية في مخاطبة القلب البشري . وهي تعالج قضية العقيدة في نفوس المشركين الذين انحرفوا عن تلك الحقيقة . إنها القضية التي تعالجها السور المكية في أساليب شتى ، ومن زوايا منوعة ، تتناول القلب البشري من جميع أقطاره ؛ وتلمس جوانبه بشتى المؤثرات التي تخاطب الفطرة وتوقظها . . هذه القضية الواحدة - قضية العقيدة - تتلخص هنا في توحيد الخالق وعبادته وحده وشكر آلائه . وفي اليقين بالآخرة وما فيها من حساب دقيق وجزاء عادل . وفي اتباع ما أنزل اللّه والتخلي عما عداه من مألوفات ومعتقدات . والسورة تتولى عرض هذه القضية بطريقة تستدعي التدبر لإدراك الأسلوب القرآني العجيب في مخاطبة الفطر والقلوب . وكل داع إلى اللّه في حاجة إلى تدبر هذا الأسلوب . إنها تعرض هذه القضية في مجال العرض القرآني . وهو هذا الكون الكبير . سماؤه وأرضه . شمسه وقمره . نهاره وليله . أجواؤه وبحاره ، أمواجه وأمطاره . نباته وأشجاره . . وهذا المجال الكوني يتكرر في القرآن الكريم . فيحيل الكون كله مؤثرات ناطقة ، وآيات مبثوثة عن الإيمان والشمائل ، تخاطب القلوب البشرية وتؤثر فيها وتستحييها ، وتأخذ عليها المسالك والدروب . ومع أن القضية واحدة ومجال العرض واحد ، فإنها تعرض في السورة أربع مرات في أربع جولات ، تطوف كل منها بالقلب البشري في ذلك المجال الفسيح ، مستصحبة في كل مرة مؤثرات جديدة ، ومتبعة أسلوبا كذلك جديدا في العرض والتناول . وتتبع هذه الجولات وهي تبدأ وتنتهي بطريقة عجيبة فيه متاع