سيد قطب
2745
في ظلال القرآن
والناس من حولهم في خوف وقلق . وهم يفترون على اللّه الكذب ويشركون به آلهة مفتراة . ويعدهم على هذا جهنم وفيها مثوى للكافرين . وتختم السورة بوعد من اللّه أكيد بهداية المجاهدين في اللّه ، يريدون أن يخلصوا إليه ، مجتازين العوائق والفتن والمشاق وطول الطريق ، وكثرة المعوقين . « وَلا تُجادِلُوا أَهْلَ الْكِتابِ إِلَّا بِالَّتِي هِيَ أَحْسَنُ - إِلَّا الَّذِينَ ظَلَمُوا مِنْهُمْ - وَقُولُوا : آمَنَّا بِالَّذِي أُنْزِلَ إِلَيْنا وَأُنْزِلَ إِلَيْكُمْ ، وَإِلهُنا وَإِلهُكُمْ واحِدٌ ، وَنَحْنُ لَهُ مُسْلِمُونَ » . . إن دعوة اللّه التي حملها نوح - عليه السّلام - والرسل بعده حتى وصلت إلى خاتم النبيين محمد - صلّى اللّه عليه وسلّم - لهي دعوة واحدة من عند إله واحد ، ذات هدف واحد ، هو رد البشرية الضالة إلى ربها ، وهدايتها إلى طريقه ، وتربيتها بمنهاجه . وإن المؤمنين بكل رسالة لإخوة للمؤمنين بسائر الرسالات : كلهم أمة واحدة ، تعبد إلها واحدا . وإن البشرية في جميع أجيالها لصنفان اثنان : صنف المؤمنين وهم حزب اللّه . وصنف المشاقين للّه وهم حزب الشيطان ، بغض النظر عن تطاول الزمان وتباعد المكان . وكل جيل من أجيال المؤمنين هو حلقة في تلك السلسلة الطويلة الممتدة على مدار القرون . هذه هي الحقيقة الضخمة العظيمة الرفيعة التي يقوم عليها الإسلام ؛ والتي تقررها هذه الآية من القرآن ؛ هذه الحقيقة التي ترفع العلاقات بين البشر عن أن تكون مجرد علاقة دم أو نسب ، أو جنس ، أو وطن . أو تبادل أو تجارة . ترفعها عن هذا كله لتصلها باللّه ، ممثلة في عقيدة واحدة تذوب فيها الأجناس والألوان ؛ وتختفي فيها القوميات والأوطان ؛ ويتلاشى فيها الزمان والمكان . ولا تبقى إلا العروة الوثقى في الخالق الديان . ومن ثم يكشف المسلمين عن مجادلة أهل الكتاب إلا بالحسنى ؛ لبيان حكمة مجيء الرسالة الجديدة ، والكشف عما بينها وبين الرسالات قبلها من صلة ، والإقناع بضرورة الأخذ بالصورة الأخيرة من صور دعوة اللّه ، الموافقة لما قبلها من الدعوات ، المكملة لها وفق حكمة اللّه وعلمه بحاجة البشر . . « إِلَّا الَّذِينَ ظَلَمُوا مِنْهُمْ » فانحرفوا عن التوحيد الذي هو قاعدة العقيدة الباقية ؛ وأشركوا باللّه وأخلوا بمنهجه في الحياة . فهؤلاء لا جدال معهم ولا محاسنة . وهؤلاء هم الذين حاربهم الإسلام عندما قامت له دولة في المدينة . وإن بعضهم ليفتري على رسول اللّه - صلّى اللّه عليه وسلّم - أنه حاسن أهل الكتاب وهو في مكة مطارد من المشركين . فلما أن صارت له قوة في المدينة حاربهم ، مخالفا كل ما قاله فيهم وهو في مكة ! وهو افتراء ظاهر يشهد هذا النص المكي عليه . فمجادلة أهل الكتاب بالحسنى مقصورة على من لم يظلم منهم ، ولم ينحرف عن دين اللّه . وعن التوحيد الخالص الذي جاءت به جميع الرسالات . « وَقُولُوا : آمَنَّا بِالَّذِي أُنْزِلَ إِلَيْنا وَأُنْزِلَ إِلَيْكُمْ ، وَإِلهُنا وَإِلهُكُمْ واحِدٌ ، وَنَحْنُ لَهُ مُسْلِمُونَ » . . وإذن فلا حاجة إلى الشقاق والنزاع ، والجدل والنقاش . وكلهم يؤمنون بإله واحد ، والمسلمون يؤمنون بما أنزل إليهم وما أنزل إلى من قبلهم ، وهو في صميمه واحد ، والمنهج الإلهي متصل الحلقات . « وَكَذلِكَ أَنْزَلْنا إِلَيْكَ الْكِتابَ . فَالَّذِينَ آتَيْناهُمُ الْكِتابَ يُؤْمِنُونَ بِهِ ، وَمِنْ هؤُلاءِ مَنْ يُؤْمِنُ بِهِ ، وَما يَجْحَدُ بِآياتِنا إِلَّا الْكافِرُونَ » . . « كذلك » . على النهج الواحد المتصل . وعلى السنة الواحدة التي لا تتبدل . وعلى الطريقة التي يوحي بها