سيد قطب
2744
في ظلال القرآن
هذا هو الشوط الأخير في سورة العنكبوت . وقد مضى منها شوطان في الجزء العشرين . ومحور السورة - كما أسلفنا - هو الحديث عن الفتنة والابتلاء لمن يقول كلمة الإيمان ، لتمحيص القلوب وتمييز الصادقين والمنافقين بمقياس الصبر على الفتنة والابتلاء . . وذلك مع التهوين من شأن القوى الأرضية التي تقف في وجه الإيمان والمؤمنين ؛ وتفتنهم بالأذى وتصدهم عن السبيل ، وتوكيد أخذ اللّه للمسيئين ونصره للمؤمنين الذين يصبرون على الفتنة ، ويثبتون للابتلاء . سنة اللّه التي مضت في الدعوات من لدن نوح عليه السّلام . وهي السنة التي لا تتبدل ، والتي ترتبط بالحق الكبير المتلبس بطبيعة هذا الكون ، والذي يتمثل كذلك في دعوة اللّه الواحدة التي لا تتبدل طبيعتها . وقد انتهى الشوط الثاني في نهاية الجزء السابق بدعوة الرسول - صلّى اللّه عليه وسلّم - والمؤمنين به إلى تلاوة ما أوحي إليه من الكتاب ، وإقامة الصلاة لذكر اللّه ، ومراقبة اللّه العليم بما يصنعون . وفي الشوط الأخير يستطرد في الحديث عن هذا الكتاب ، والعلاقة بينه وبين الكتب قبله . ويأمر المسلمين ألا يجادلوا أهل الكتاب إلا بالتي هي أحسن - إلا الذين ظلموا منهم ، فبدلوا في كتابهم ، وانحرفوا إلى الشرك ، والشرك ظلم عظيم - وأن يعلنوا إيمانهم بالدعوات كلها وبالكتب جميعها ، فهي حق من عند اللّه مصدق لما معهم . ثم يتحدث عن إيمان بعض أهل الكتاب بهذا الكتاب الأخير على حين يكفر به المشركون الذين أنزل اللّه الكتاب على نبيهم ، غير مقدرين لهذه المنة الضخمة ، ولا مكتفين بهذا الفضل المتمثل في تنزيل الكتاب على رسول منهم ، يخاطبهم به ، ويحدثهم بكلام اللّه . ولم يكن يتلو من قبله كتابا ولا يخطه بيمينه ، فتكون هناك أدنى شبهة في أنه من عمله ومن تأليفه ! ويحذر المشركين استعجالهم بعذاب اللّه ، ويهددهم بمجيئه بغتة ، ويصور لهم قربه منهم ، وإحاطة جهنم بهم ، وحالهم يوم يغشاهم العذاب من فوقهم ومن تحت أرجلهم . ثم يلتفت إلى المؤمنين الذين يتلقون الفتنة والإيذاء في مكة ؛ يحضهم على الهجرة بدينهم إلى اللّه ليعبدوه وحده . يلتفت إليهم في أسلوب عجيب ، يعالج كل هاجسة تخطر في ضمائرهم ، وكل معوق يقعد بهم ، ويقلب قلوبهم بين أصابع الرحمن في لمسات تشهد بأن منزل هذا القرآن هو خالق هذه القلوب ؛ فما يعرف مساربها ومداخلها الخفية ، ويلمسها هكذا إلا خالقها اللطيف الخبير . وينتقل من هذا إلى التعجيب من حال أولئك المشركين ، وهم يتخبطون في تصوراتهم فيقرون للّه - سبحانه - بخلق السماوات والأرض ، وتسخير الشمس والقمر ، وتنزيل الماء من السماء ، وإحياء الأرض الموات ؛ وإذا ركبوا في الفلك دعوا اللّه وحده مخلصين له الدين . . ثم هم بعد ذلك يشركون باللّه ، ويكفرون بكتابه ، ويؤذون رسوله ، ويفتنون المؤمنين به . ويذكر المشركين بنعمة اللّه عليهم بهذا الحرم الآمن الذي يعيشون فيه ،